تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
من الحديد والثياب ، تعرف هذا كفار قريش ، ثم تنكره بأن تقول : هذا كان لآبائنا ، فروحونا إياه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه ، إلا أنه قال : فورثونا إياها . وزاد في الحديث عن ابن جريج ، قال ابن جريج : قال عبد الله بن كثير : يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم ما أعطاهم ، فهو معرفتهم نعمته ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد . وقال آخرون في ذلك ، ما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا معاوية ، عن عمرو ، عن أبي إسحاق الفزاري ، عن ليث ، عن عون بن عبد الله بن عتبة :
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها
قال : إنكارهم إياها ، أن يقول الرجل : لولا فلان ما كان كذا وكذا ، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا . وقال آخرون : معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم : من رزقكم ؟ أقروا بأن الله هو الذي رزقهم ، ثم ينكرون ذلك بقولهم : رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بتأويل الآية ، قول من قال : عني بالنعمة التي ذكرها الله في قوله
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ
النعمة عليهم بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم داعيا إلى ما بعثه بدعائهم إليه . وذلك أن هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما بعث به ، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده ، إذ لم يكن معنى يدل على انصرافه عما قبله وعما بعده ؛ فالذي قبل هذه الآية قوله :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها
وما بعده :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً
وهو رسولها . فإذا كان ذلك كذلك ، فمعنى الآية : يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمت الله عليهم يا محمد بك ، ثم ينكرونك ويجحدون نبوتك .
وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ
يقول : وأكثر قومك الجاحدون نبوتك ، لا المقرون بها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
يقول تعالى ذكره : يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها اليوم ويستنكرون
يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً
وهو الشاهد عليها بما أجابت داعي الله ، وهو رسولهم الذي أرسل إليهم .
ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
يقول : ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار ، فيعتذروا مما كانوا بالله وبرسوله يكفرون .
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
فيتركوا الرجوع إلى الدنيا فينيبوا ويتوبوا ؛ وذلك كما قال تعالى :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً
وشاهدها نبيها ، على أنه قد بلغ رسالات ربه ، قال الله تعالى :
وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ
يقول تعالى ذكره : وإذا عاين الذين كذبوك يا محمد وجحدوا نبوتك والأمم الذين كانوا على منهاج مشركي قومك عذاب الله ، فلا ينجيهم من عذاب الله شيء ؛ لأنهم لا يؤذن لهم فيعتذرون فيخلف عنهم العذاب بالعذر الذي يدعونه ،
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
يقول : ولا يرجئون بالعقاب ، لأن وقت التوبة والإنابة قد فات ، فليس ذلك وقتا لهما ، وإنما هو وقت للجزاء على الأعمال ، فلا ينظر بالعتاب ليعتب بالتوبة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ
يقول تعالى ذكره : وإذا رأى المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 106 | محمد بن جرير الطبري