الإِتيان بها ، فإن لم تفعلوا ذلك فلا شك أنكم كذبة في زعمكم أن محمدا افتراه ؛ لأَن محمدا لن يعدو أن يكون بشرا مثلكم ، فإذا عجز الجميع من الخلق أن يأتوا بسورة مثله ، فالواحد منهم عن أن يأتي بجميعه أعجز . القول في تأويل قوله تعالى :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ
يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبك ، ولكن بهم التكذيب
بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
مما أنزل الله عليك في هذا القرآن من وعيدهم على كفرهم بربهم ،
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
يقول : ولما يأتهم بعد بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله في هذا القرآن .
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يقول تعالى ذكره : كما كذب هؤلاء المشركون يا محمد بوعيد الله ، كذلك كذب الأَمم التي خلت قبلهم بوعيد الله إياهم على تكذيبهم رسلهم وكفرهم بربهم .
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
فانظر يا محمد كيف كان عقبى كفر من كفر بالله ، ألم نهلك بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالغرق ؟ يقول : فإن عاقبة هؤلاء الذي يكذبونك ويجحدون بآياتي من كفار قومك ، كالتي كانت عاقبة . من قبلهم من كفرة الأَمم ، إن لم ينيبوا من كفرهم ويسارعوا إلى التوبة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ
يقول تعالى ذكره :
ومن قومك يا محمد من قريش من سوف يؤمن به ، يقول : من سوف يصدق بالقرآن ، ويقر أنه من عند الله .
وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ
يقول : ومنهم من لا يصدق به ، ولا يقر أبدا .
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
يقول : والله أعلم بالمكذبين به منهم ، الذين لا يصدقون به أبدا من كل أحد لا يخفى عليه ، وهو من وراء عقابه . فأما من كتبت له أن يؤمن به منهم فإني سأتوب عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن كذبوك يا محمد هؤلاء المشركون وردوا عليك ما جئتهم به من عند ربك ، فقل لهم : أيها القوم لي ديني وعملي ولكم دينكم وعملكم ، لا يضرني عملكم ولا يضركم عملي ، وإنما يجازي كل عامل عمله .
أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ
لا تؤاخذون بجريرته ،
وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
لا أؤاخذ بجريرة عملكم . وهذا كما قال جل ثناؤه :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
وقيل : إن هذه الآية منسوخة ، نسخها الجهاد والأَمر بالقتال . ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
الآية ، قال : أمره بهذا ثم نسخه ، وأمره بجهادهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ومن هؤلاء المشركين من يستمعون إلى قولك .
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ
يقول : أفأنت تخلق لهم السمع ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون به ، أم أنا ؟ وإنما هذا إعلام من الله عباده أن التوفيق للإِيمان به بيده لا إلى أحد سواه ، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كما أنك لا تقدر أن تسمع يا محمد من سلبته السمع ، فكذلك لا تقدر أن تفهم أمري ونهيي قلبا سلبته فهم ذلك ، لأَني ختمت عليه أنه لا يؤمن . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي
يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء المشركين ، مشركي قومك ، من ينظر إليك