تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
قل لهم يا محمد أي وربي إنه لحق لا شك فيه ، وما أنتم بمعجزي الله إذا أراد ذلك بكم بهرب أو امتناع ، بل أنتم في قبضته وسلطانه وملكه ، إذ أراد فعل ذلك بكم ، فاتقوا الله في أنفسكم القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ . . .
وَقُضِيَ
يقول تعالى ذكره : ولو أن لكل نفس كفرت بالله . وظلمها في هذا الموضع : عبادتها غير من يستحق عبادة وتركها طاعة من يجب عليها طاعته .
ما فِي الْأَرْضِ
من قليل أو كثير ،
لَافْتَدَتْ بِهِ
يقول : لافتدت بذلك كله من عذاب الله إذا عاينته . وقوله :
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
يقول : وأخفت رؤساء هؤلاء المشركين من وضعائهم وسفلتهم الندامة حين أبصروا عذاب الله قد أحاط بهم ، وأيقنوا أنه واقع بهم .
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
يقول : وقضى الله يومئذ بين الأَتباع والرؤساء منهم بالعدل .
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
وذلك أنه لا يعاقب أحدا منهم إلا بجريرته ولا يأخذه بذنب أحد ولا يعذب إلا من قد أعذر إليه في الدنيا وأنذر وتابع عليه الحجج . القول في تأويل قوله تعالى :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول جل ذكره : ألا إن كل ما في السماوات وكل ما في الأَرض من شيء لله ملك ، لا شيء فيه لأَحد سواه . يقول : فليس لهذا الكافر بالله يومئذ شيء يملكه فيفتدي به من عذاب ربه ، وإنما الأَشياء كلها للذي إليه عقابه ، ولو كانت له الأَشياء التي هي في الأَرض ثم افتدى بما لم يقبل منه بدلا من عذابه فيصرف بها عنه العذاب ، فكيف وهو لا شيء له يفتدى به منه وقد حق عليه عذاب الله . يقول الله جل ثناؤه :
أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
يعني أن عذابه الذي أوعد هؤلاء المشركين على كفرهم حق ، فلا عليهم أن لا يستعجلوا به فإنهم بهم واقع لا شك .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
يقول : ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون حقيقة وقوع ذلك بهم ، فهم من أجل جهلهم به مكذبون . القول في تأويل قوله تعالى :
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يقول تعالى ذكره : إن الله هو المحيي المميت لا يتعذر عليه فعل ما أراد فعله من إحياء هؤلاء المشركين إذا أراد إحياءهم بعد مماتهم ولا إماتتهم إذا أراد ذلك ، وهم إليه يصيرون بعد مماتهم فيعاينون ما كانوا به مكذبين من وعيد الله وعقابه . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
يقول تعالى ذكره لخلقه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
يعني ذكري تذكركم عذاب الله وتخوفكم وعيده من ربكم . يقول : من عند ربكم لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يفتعلها أحد ، فتقولوا : لا نأمن أن تكون لا صحة لها . وإنما يعني بذلك جل ثناؤه القرآن ، وهو الموعظة من الله . وقوله :
وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ
يقول : ودواء لما في الصدور من الجهل ، يشفي به الله جهل الجهال ، فيبرئ به داءهم ويهدي به من خلقه من أراد هدايته به .
وَهُدىً
يقول : وهو بيان لحلال الله وحرامه ، ودليل على طاعته ومعصيته .
وَرَحْمَةٌ
يرحم بها من شاء من خلقه ، فينقذه به من الضلالة إلى الهدى ، وينجيه به من الهلاك والردى . وجعله تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين به دون الكافرين به ، لأَن من كفر به فهو عليه عمي ، وفي الآخرة جزاؤه على الكفر به الخلود في لظى . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
قُلْ
يا محمد لهؤلاء
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 86 | محمد بن جرير الطبري