تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
أنهم هم الغافلون . القول في تأويل قوله تعالى :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
يعني جل ثناؤه بقوله :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ
هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم هم كالأنعام ، وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها ولا تفهم ما أبصرته مما يصلح وما لا يصلح ولا تعقل بقلوبها الخير من الشر فتميز بينهما ، فشبههم الله بها ، إذ كانوا لا يتذكرون ما يرون بأبصارهم من حججه ، ولا يتفكرون فيما يسمعون من آي كتابه . ثم قال :
بَلْ هُمْ أَضَلُّ
يقول : هؤلاء الكفرة الذين ذرأهم لجهنم أشد ذهابا عن الحق وألزم لطريق الباطل من البهائم ، لأن البهائم لا اختيار لها ولا تمييز فتختار وتميز ، وإنما هي مسخرة ومع ذلك تهرب من المضار وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلح . والذين وصف الله صفتهم في هذه الآية ، مع ما أعطوا من الأفهام والعقول المميزة بين المصالح والمضار ، تترك ما فيه صلاح دنياها وآخرتها وتطلب ما فيه مضارها ، فالبهائم منها أسد وهي منها أضل ، كما وصفها به ربنا جل ثناؤه . وقوله :
أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفت صفتهم ، القوم الذين غفلوا ، يعني سهوا عن آياتي وحججي ، وتركوا تدبرها والاعتبار بها والاستدلال على ما دلت عليه من توحيد ربها ، لا البهائم التي قد عرفها ربها ما سخرها له . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ
يقول تعالى ذكره
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
، وهي كما قال ابن عباس . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
ومن أسمائه : العزيز الجبار ، وكل أسماء الله حسن . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن هشام بن حسان ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن لله تسعة وتسعين اسما ، مئة إلا واحدا ، من أحصاها كلها دخل الجنة " . وأما قوله :
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
فإنه يعني به المشركين . وكان إلحادهم في أسماء الله أنهم عدلوا بها عما هي عليه ، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم ، وزادوا فيها ونقصوا منها ، فسموا بعضها اللات اشتقاقا منهم لها من اسم الله الذي هو الله ، وسموا بعضها العزى اشتقاقا لها من اسم الله الذي هو العزيز . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
قال : إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
قال : اشتقوا العزى من العزيز ، واشتقوا اللات من الله . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله
يُلْحِدُونَ
فقال بعضهم : يكذبون . ذكر من قال ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
قال : الإلحاد : التكذيب . وقال آخرون : معنى ذلك : يشركون . ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا أبو ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
يُلْحِدُونَ
قال : يشركون . وأصل الإلحاد في كلام العرب : العدول عن القصد ، والجور عنه ، والإعراض ، ثم يستعمل في كل معوج غير مستقيم ، ولذلك قيل للحد القبر لحد ، لأنه في ناحية منه وليس في وسطه ، يقال منه : ألحد فلان يلحد إلحادا ، ولحد يلحد لحدا ولحودا . وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرق بين الإلحاد واللحد ، فيقول في الإلحاد : إنه العدول عن القصد ، وفي اللحد إنه الركون إلى الشيء ، وكان يقرأ جميع ما في القرآن " يلحدون " بضم الياء وكسر الحاء ، إلا التي