يوشع يقاتل الجبارين في الناس . وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه وهو يريد أن يلعن بني إسرائيل ، فكلما أراد أن يدعو على بني إسرائيل دعا على الجبارين ، فقال الجبارون : إنك إنما تدعو علينا فيقول : إنما أردت بني إسرائيل . فلما بلغ باب المدينة أخذ ملك بذنب الأتان ، فأمسكها فجعل يحركها فلا تتحرك ، فلما أكثر ضربها تكلمت فقالت : أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار ؟ ويلي منك ولو أني أطقت الخرج لخرجت ، ولكن هذا الملك يحبسني . وفي بلعم يقول الله :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
الآية . حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثني رجل سمع عكرمة ، يقول : قالت امرأة منهم : أروني موسى ، فأنا أفتنه قال : فتطيبت ، فمرت على رجل يشبه موسى ، فواقعها ، فأتى ابن هارون فأخبر ، فأخذ سيفا ، فطعن به في إحليله حتى أخرجه من قبلها ، ثم رفعهما حتى رآهما الناس ، فعلم أنه ليس موسى ، ففضل آل هارون في القربان على آل موسى بالكتف والعضد والفخذ ، قال :
فهو الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ، يعني بلعم . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
فقال بعضهم : معناه : لرفعناه بعلمه بها . ذكر من قال ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
لرفعه الله تعالى بعلمه . وقال آخرون :
معناه لرفعنا عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله بآياتنا . ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
لرفعنا عنه بها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
لرفعناه عنه . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عم الخبر بقوله :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
أنه لو شاء رفعه بآياته التي آتاه إياها . والرفع يعم معاني كثيرة ، منها الرفع في المنزلة عنده ، ومنها الرفع في شرف الدنيا ومكارمها . ومنها الرفع في الذكر الجميل والثناء الرفيع . وجائز أن يكون الله عنى كل ذلك أنه لو شاء لرفعه ، فأعطاه كل ذلك بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه . وإذ كان ذلك جائزا ، فالصواب من القول فيه أن لا يخص منه شيء ، إذ كان لا دلالة على خصوصه من خبر ولا عقل . وأما قوله :
بِها
فإن ابن زيد قال في ذلك كالذي قلنا . حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
بتلك الآيات . وأما قوله :
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
فإن أهل التأويل قالوا فيه نحو قولنا فيه . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن وكيع ، قال :
ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن أبي الهيثم ، عن سعيد بن جبير :
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
يعني : ركن إلى الأرض . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير :
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
قال :
نزع إلى الأرض . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أخلد : سكن . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد وعكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابا ، فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتها وأموالها ، لم ينتفع بما جاء به الكتاب . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ
أما أخلد إلى الأرض : فاتبع الدنيا ، وركن إليها .
وأصل الإخلاد في كلام العرب : الإبطاء والإقامة ، يقال منه : أخلد فلان بالمكان إذا أقام به وأخلد نفسه إلى المكان إذا أتاه من مكان أخر ، ومنه قول زهير :