تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
محمد بن جعفر ، قال : ثنا عون ، قال : ثنا سعيد بن حيان ، عن ابن عباس ، بنحوه . واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله :
قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا
فقال بعض نحويي البصرة : معناه : واختار موسى من قومه سبعين رجلا ، فلما نزع " من " أعمل الفعل ، كما قال الفرزدق :
ومنا الذي أختير الرجال سماحة * وجودا إذا هب الرياح الزعازع
وكما قال الآخر :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نسب
وقال الراعي :
اخترتك الناس إذ عنت خلائقهم * واعتل من كان يرجى عنده السول
وقال بعض نحويي الكوفة : إنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذا طرحت من ، لأنه مأخوذ من قولك : هؤلاء خير القوم ، وخير من القوم ، فإذا جازت الإضافة مكان " من " ولم يتغير المعنى ، استجازوا أن يقولوا : اخترتكم رجلا ، واخترت منكم رجلا ؛ وقد قال الشاعر :
فقلت له اخترها قلوصا سمينة
وقال الراجز :
تحت التي اختار له الله الشجر
بمعنى : اختارها له الله من الشجر . وهذا القول الثاني أولى عندي في ذلك بالصواب لدلالة الاختيار على طلب " من " التي بمعنى التبعيض ، ومن شأن العرب أن تحذف الشيء من حشو الكلام إذا عرف موضعه ، وكان فيما أظهرت دلالة على ما حذفت ، فهذا من ذلك إن شاء الله . وقد بينا معنى الرجفة فيما مضى بشواهدها ، وأنها ما رجف بالقوم وأرعبهم وحركهم وأهلكهم بعد ، فأماتهم أو أصعقهم ، فسلب أفهامهم . وقد ذكرنا الرواية في غير هذا الموضع ، وقول من قال : إنها كانت صاعقة أماتتهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
ماتوا ثم أحياهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا
اختارهم موسى لتمام الموعد .
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
ماتوا ثم أحياهم الله . حدثني عبد الكريم ، قال : ثنا إبراهيم ، قال : ثنا سفيان ، قال : قال أبو سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس :
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
قال : رجف بهم . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : أتهلك هؤلاء الذين أهلكتهم بما فعل السفهاء منا : أي بعبادة من عبد العجل . قالوا : وكان الله إنما أهلكهم لأنهم كانوا ممن يعبد العجل ، وقال موسى ما قال ولا علم عنده بما كان منهم من ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال ثنا أسباط ، عن السدي :
أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا
فأوحى الله إلى موسى : إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل ، فذلك حين يقول موسى :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ
وقال آخرون : معنى ذلك : أن إهلاكك هؤلاء الذين أهلكتهم هلاك لمن وراءهم من بني إسرائيل إذا انصرفت إليهم ، وليسوا معي ، والسفهاء على هذا القول كانوا المهلكين الذين سألوا موسى أن يريهم ربهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما أخذت الرجفة السبعين فماتوا جميعا ، قام موسى يناشد ربه ويدعوه ، ويرغب إليه يقول : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا ؟ أي إن هذا لهم هلاك ، قد اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير ، أرجع إليهم وليس معي رجل واحد ؟ فما الذي يصدقونني به أو يأمنونني عليه بعد هذا ؟ وقال آخرون في ذلك بما :