مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
الآية ، قال : فهو جزاء كل مفتر يكون إلى يوم القيامة ، أن يذله الله عز وجل .
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو النعمان عارم ، قال : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، قال : قرأ أبو قلابة يوما هذه الآية :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
قال : هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة . حدثني المثنى قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا حماد ، عن ثابت وحميد : أن قيس بن عباد وجارية بن قدامة دخلا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقالا : أرأيت هذا الأمر الذي أنت فيه وتدعو إليه ، أعهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأي رأيته ؟ قال : ما لكما ولهذا ؟
أعرضا عن هذا فقالا : والله لا نعرض عنه حتى تخبرنا . فقال : ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كتابا في قراب سيفي هذا . فاستله فأخرج الكتاب من قراب سيفه ، وإذا فيه : " إنه لم يكن نبي إلا له حرم ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم عليه السلام مكة ، لا يحمل فيها السلاح لقتال ، من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل " فلما خرجا قال أحدهما لصاحبه : أما ترى هذا الكتاب ؟ فرجعا وتركاه ، وقالا : إنا سمعنا الله يقول :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ
الآية ، وإن القوم قد افتروا فرية ، ولا أدري إلا سينزل بهم ذلة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة : في قوله :
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
قال : كل صاحب بدعة ذليل . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
وهذا خبر من الله تعالى ذكره أنه قابل من كل تائب إليه من ذنب أتاه صغيرة كانت معصيته أو كبيرة ، كفرا كانت أو غير كفر ، كما قبل من عبدة العجل توبتهم بعد كفرهم به بعبادتهم العجل وارتدادهم عن دينهم . يقول جل ثناؤه : والذين عملوا الأعمال السيئة ثم رجعوا إلى طلب رضا الله بإنابتهم إلى ما يحب مما يكره وإلى ما يرضى مما يسخط من بعد سيئ أعمالهم ، وصدقوا بأن الله قابل توبة المذنبين وتائب على المنيبين بإخلاص قلوبهم ويقين منهم بذلك ،
لَغَفُورٌ
لهم ، يقول : لساتر عليهم أعمالهم السيئة ، وغير فاضحهم بها ، رحيم بهم ، وبكل من كان مثلهم من التائبين . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
ولما كف موسى عن الغضب ، وكذلك كل كاف عن شيء ساكت عنه . وإنما قيل للساكت عن الكلام ساكت :
لكفه عنه . وقد ذكر عن يونس النحوي أنه قال : يقال سكت عنه الحزن وكل شيء فيما زعم ؛ ومنه قول أبي النجم :
وهمت الأفعى بأن تسيحا * وسكت المكاء أن يضبحا
أَخَذَ الْأَلْواحَ
يقول : أخذها بعد ما ألقاها ، وقد ذهب منها ما ذهب .
وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ
يقول :
وفيما نسخ فيها : أي منها هدى بيان للحق ورحمة .
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
يقول : للذين يخافون الله ، ويخشون عقابه على معاصيه . واختلف أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله :
لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
مع استقباح العرب أن يقال في الكلام : رهبت لك : بمعنى رهبتك ، وأكرمت لك : بمعنى أكرمتك ، فقال بعضهم : ذلك كما قال جل ثناؤه :
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
أوصل الفعل باللام . وقال بعضهم : من أجل ربهم يرهبون . وقال بعضهم : إنما دخلت عقب الإضافة الذين هم راهبون لربهم وراهبو ربهم ؛ ثم أدخلت اللام على هذا المعنى لأنها عقيب الإضافة لا على التعليق . وقال بعضهم :