تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
عرضوا لعيركم ، وقال : لا غالب لكم اليوم من الناس من مثلكم ، وإني جار لكم أن تكونوا على ما يكره الله . فخرجوا ونادوا أن لا يتخلف منا أحد إلا هدمنا داره واستبحناه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالروحاء عينا للقوم ، فأخبره بهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد وعدكم العير أو القوم " . فكانت العير أحب إلى القوم من القوم ، كان القتال في الشوكة ، والعير ليس فيها قتال ، وذلك قول الله :
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
قال : الشوكة : القتال ، وغير الشوكة : العير . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا يعقوب بن محمد الزهري ، قال : ثنا عبد الله بن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن ابن أبي حبيب ، عن أبي عمران ، عن أبي أيوب ، قال : أنزل الله جل وعز :
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ
فلما وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا طابت أنفسنا . والطائفتان : عير أبي سفيان ، أو قريش . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أسلم أبي عمران الأنصاري ، أحسبه قال : قال أبو أيوب :
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
قالوا : الشوكة : القوم وغير الشوكة : العير ؛ فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين : إما العير ، وإما القوم ، طابت أنفسنا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثني يعقوب بن محمد ، قال : ثني غير واحد ، في قوله :
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
إن الشوكة قريش . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله :
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
هي عير أبي سفيان ، ود أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم وأن القتال صرف عنهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
أي الغنيمة دون الحرب . وأما قوله :
أَنَّها لَكُمْ
ففتحت على تكرير " يعد " ، وذلك أن قوله :
يَعِدُكُمُ اللَّهُ
قد عمل في إحدى الطائفتين . فتأويل الكلام :
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ
يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم ، كما قال :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
. قال :
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
فأنث " ذات " لأنه مراد بها الطائفة . ومعنى الكلام : وتودون أن الطائفة التي هي غير ذات الشوكة تكون لكم ، دون الطائفة ذات الشوكة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ
يقول تعالى ذكره : ويريد الله أن يحق الإسلام ويعليه بكلماته ، يقول : بأمره إياكم أيها المؤمنون بقتال الكفار ، وأنتم تريدون الغنيمة والمال . وقوله :
وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ
يقول : يريد أن يجب أصل الجاحدين توحيد الله . وقد بينا فيما مضى معنى دابر ، وأنه المتأخر ، وأن معنى قطعه الإتيان على الجميع منهم . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله :
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطع دابرهم ، هذا خير لكم من العير . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ
أي الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر . القول في تأويل قوله تعالى :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
يقول تعالى ذكره : ويريد الله أن يقطع دابر الكافرين كيما يحق الحق ، كيما يعبد الله وحده دون الآلهة والأصنام ، ويعز الإسلام ، وذلك هو تحقيق الحق
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
يقول ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر
وَلَوْ كَرِهَ
ذلك الذين أجرموا ، فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
هم المشركون . وقيل : إن الحق في هذا الموضع : الله عز وجل . القول في تأويل قوله تعالى :
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
يقول تعالى ذكره : ويبطل الباطل حين تستغيثون ربكم ، ف " إذا " من صلة " يبطل " ومعنى قوله :
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
تستجيرون
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 126 | محمد بن جرير الطبري