تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
. حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
قال : قصور مشيدة . وقال آخرون : معنى ذلك : قصور بأعيانها في السماء . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
وهي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن سعد ، قال : أخبرنا أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
يقول : ولو كنتم في قصور في السماء . واختلف أهل العربية في معنى المشيدة ، فقال بعض أهل البصرة منهم : المشيدة : الطويلة . قال : وأما المشيد بالتخفيف ، فإنه المزين . وقال آخرون منهم نحو ذلك القول ، غير أنه قال : المشيد بالتخفيف : المعمول بالشيد ، والشيد : الجص . وقال بعض أهل الكوفة : المشيد والمشيد أصلهما واحد ، غير أن ما شدد منه فإنما يشدد لتردد الفعل فيه في جمع مثل قولهم : هذه ثياب مصبغة ، وغنم مذبحة ، فشدد لأنها جمع يفرق فيها الفعل ، وكذلك مثله قصور مشيدة ، لأن القصور كثيرة تردد فيها التشييد ، ولذلك قيل : بروج مشيدة ، ومنه قوله :
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ
وكما يقال : كسرت العود : إذا جعلته قطعا ، أي قطعة بعد قطعة . وقد يجوز في ذلك التخفيف ، فإذا أفرد من ذلك الواحد ، فكان الفعل يتردد فيه ويكثر تردده في جمع منه ، جاز التشديد عندهم والتخفيف ، فيقال منه : هذا ثوب مخرق وجلد مقطع ، لتردد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق . وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردد لم يجيزوه إلا بالتخفيف ، وذلك نحو قولهم : رأيت كبشا مذبوحا ، ولا يجيزون فيه " مذبحا " ، لأن الذبح لا يتردد فيه تردد التخرق في الثوب . وقالوا : فلهذا قيل : قصر مشيد ، لأنه واحد ، فجعل بمنزلة قولهم : كبش مذبوح . وقالوا : جائز في القصر أن يقال قصر مشيد بالتشديد ، لتردد البناء فيه والتشييد ، ولا يجوز ذلك في " كبش مذبوح " لما ذكرنا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
. يعني بقوله جل ثناؤه :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة يقولوا هذه من عند الله ، يعني : من قبل الله ومن تقديره ، وإن تصبهم سيئة ، يقول : وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم ، يقولوا لك يا محمد : هذه من عندك بخطئك التدبير . وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ
. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر قالا : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
قال : هذه في السراء والضراء . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية مثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
فقرأ حتى بلغ :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
قال : إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب . فقرأ :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً
فقرأ حتى بلغ :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ
من عند محمد عليه الصلاة والسلام ، أساء التدبير وأساء النظر ، ما أحسن التدبير ولا النظر . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
. يعني جل ثناؤه بقوله :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
قل يا محمد لهؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة هذه من عند الله ، وإذا أصابتهم سيئة هذه من عندك : كل ذلك من عند الله دوني ودون غيري ، من عنده الرخاء والشدة ، ومنه النصر والظفر ، ومن عنده القتل والهزيمة . كما : حدثني المثنى ،