ثنا أسباط ، عن السدي :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
قال : هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال ، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة ، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال ؛
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
الآية ، إلى :
إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
وهو الموت ، قال الله :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
. وقال آخرون : نزلت هذه وآيات بعدها في اليهود . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
إلى قوله :
لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
ما بين ذلك في اليهود . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ
إلى قوله :
لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ
نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
يعني بقوله جل ثناؤه :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين قالوا
رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل ، لأنها فانية ، وما فيها فان ،
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ
يعني : ونعيم الآخرة خير ، لأنها باقية ، ونعيمها باق دائم . وإنما قيل : والآخرة خير ومعنى الكلام ما وصفت من أنه معني به نعيمها ، لدلالة ذكر الآخرة بالذي ذكرت به على المعنى المراد منه
لِمَنِ اتَّقى
يعني : لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ، فأطاعه في كل ذلك .
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
يعني : ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا ؛ وقد بينا معنى الفتيل فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا . القول في تأويل قوله تعالى :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
يعني بذلك جل ثناؤه : حيثما تكونوا ينلكم الموت فتموتوا ،
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
يقول : لا تجزعوا من الموت ولا تهربوا من القتال وتضعفوا عن لقاء عدوكم حذرا على أنفسكم من القتل والموت ، فإن الموت بإزائكم أين كنتم ، وواصل إلى أنفسكم حيث كنتم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة . واختلف أهل التأويل في معنى قوله :
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
فقال بعضهم : يعنى به : قصور محصنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
يقول :
في قصور محصنة . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : ثنا أبو همام ، قال : ثنا كثير أبو الفضل ، عن مجاهد ، قال : كان فيمن كان قبلكم امرأة ، وكان لها أجير ، فولدت جارية فقالت لأجيرها :
اقتبس لنا نارا فخرج فوجد بالباب رجلا ، فقال له الرجل : ما ولدت هذه المرأة ؟ قال : جارية ، قال : أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة ، ويتزوجها أجيرها ، ويكون موتها بالعنكبوت . قال : فقال الأجير في نفسه : فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة . فأخذ شفرة فدخل ، فشق بطن الصبية . وعولجت فبرئت ، فشبت ، وكانت تبغي ، فأتت ساحلا من سواحل البحر ، فأقامت عليه تبغي . ولبث الرجل ما شاء الله ، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير ، فقال لامرأة من أهل الساحل : أبغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها فقالت : هاهنا امرأة من أجمل الناس ، ولكنها تبغي . قال : ائتني بها فأتتها فقالت : قد قدم رجل له مال كثير ، وقد قال لي كذا ، فقلت له كذا . فقالت : إني قد تركت البغاء ، ولكن إن أراد تزوجته . قال : فتزوجها ، فوقعت منه موقعا ، فبينا هو يوما عندها ، إذ أخبرها بأمره ، فقالت : أنا تلك الجارية وأرته الشق في بطنها وقد كنت أبغي ، فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر ؛ قال : فإنه قال لي : يكون موتها بالعنكبوت . قال : فبنى لها برجا بالصحراء وشيده . فبينما هما يوما في ذلك البرج ، إذا عنكبوت في السقف فقالت : هذا يقتلني ؟ لا يقتله أحد غيري فحركته فسقط ، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته ، وساح سمه بين ظفرها واللحم ، فاسودت رجلها فماتت ، فنزلت هذه الآية :
أَيْنَما تَكُونُوا