تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
قال : ثنا محمد بن بشر ، قال : حدثنيه إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح ، بمثله . قال أبو جعفر : فإن قال قائل : وما وجه دخول " من " في قوله :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
و
مِنْ سَيِّئَةٍ
قيل : اختلف في ذلك أهل العربية ، فقال بعض نحويي البصرة : أدخلت " من " ، لأن " من " تحسن مع النفي ، مثل : ما جاءني من أحد . قال : ودخول الخبر بالفاء لازما بمنزلة " من " . وقال بعض نحويي الكوفة : أدخلت " من " مع " ما " ، كما تدخل على " إن " في الجزاء لأنهما حرفا جزاء ، وكذلك تدخل مع " من " إذا كانت جزاء ، فتقول العرب : من يزرك من أحد فتكرمه ، كما تقول : إن يزرك من أحد فتكرمه . قال : وأدخلوها مع " ما " و " من " ، ليعلم بدخولها معهما أنهما جزاء . قالوا : وإذا دخلت معهما لم تحذف ، لأنها إذا حذفت صار الفعل رافعا شيئين ، وذلك أن " ما " في قوله :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
رفع بقوله :
أَصابَكَ
فلو حذفت " من " رفع قوله :
أَصابَكَ
السيئة ، لأن معناه : إن تصبك سيئة ، فلم يجز حذف " من " لذلك ، لأن الفعل الذي هو على فعل أو يفعل لا يرفع شيئين ، وجاز ذلك مع " من " ، لأنها تشتبه بالصفات ، وهي في موضع اسم ، فأما " إن " ، فإن " من " تدخل معها وتخرج ، ولا تخرج مع " أي " لأنها تعرب فيبين فيها الإعراب ، ودخلت مع " ما " لأن الإعراب لا يظهر فيها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
يعني بقوله جل ثناؤه :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
إنما جعلناك يا محمد رسولا بيننا وبين الخلق تبلغهم ما أرسلناك به من رسالة ، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت ، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم ، وإن ردوا فعليها .
وَكَفى بِاللَّهِ
عليك وعليهم
شَهِيداً
يقول : حسبك الله تعالى ذكره شاهدا عليك في بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه ، وعلى من أرسلت إليه في قبولهم منك ما أرسلت به إليهم ، فإنه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم ، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدك ، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر جزاء المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته . القول في تأويل قوله تعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
وهذا إعذار من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى ذكره لهم : من يطع منكم أيها الناس محمدا ، فقد أطاعني بطاعته إياه ، فاسمعوا قوله ، وأطيعوا أمره ، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم ، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي ، فلا يقولن أحدكم : إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضل علينا ثم قال جل ثناؤه لنبيه : ومن تولى عن طاعتك يا محمد ، فأعرض عنه ، فإن لم نرسلك عليهم حفيظا ، يعني حافظا لما يعملون محاسبا ، بل إنما أرسلناك لتبين لهم ما نزل إليهم ، وكفى بنا حافظين لأعمالهم ولهم عليها محاسبين . ونزلت هذه الآية فيما ذكر قبل أن يؤمر بالجهاد . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألت ابن زيد عن قول الله :
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
قال : هذا أول ما بعثه ، قال :
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
قال : ثم جاء بعد هذا يأمره بجهادهم والغلظة حتى يسلموا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
يعني بذلك جل ثناؤه بقوله :
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ
يعني : الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال ، خشوا الناس كخشية الله وأشد خشية ، يقولون لنبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر : أمرك طاعة ، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه
فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ
يقول : فإذا خرجوا من عندك يا محمد
بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ
يعني بذلك جل ثناؤه : غير جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم . وكل عمل عمل ليلا فقد بيت ، ومن ذلك بيت العدو وهو الوقوع بهم ليلا ، ومنه قول عبيدة بن همام :
أتوني فلم أرض ما بيتوا * وكانوا أتوني بشيء نكر
لأنكح أيمهم منذرا * وهل ينكح العبد حر لحر
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 112 | محمد بن جرير الطبري