تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
أنهم يقولون ذلك ، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنا في قلوبهم وغما ، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده . وقد قيل : إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله ، هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ
الآية . قال : هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى
قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون في ذلك : هم جميع المنافقين . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد . قال : ثنا مسلمة ، عن ابن إسحاق :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ
الآية : أي لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله ، والضرب في الأرض في طاعة الله ، وطاعة رسوله ، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا : لو أطاعونا ما ماتوا ، وما قتلوا . وأما قوله :
إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
فإنه اختلف في تأويله ، فقال بعضهم : هو السفر في التجارة ، والسير في الأرض لطلب المعيشة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
وهي التجارة . وقال آخرون : بل هو السير في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
الضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله . وأصل الضرب في الأرض : الإبعاد فيها سيرا . وأما قوله :
أَوْ كانُوا غُزًّى
فإنه يعني : أو كانوا غزاة في سبيل الله . والغزي : جمع غاز ، جمع على فعل كما يجمع شاهد : شهد ، وقائل : قول . وقد ينشد بيت رؤبة :
فاليوم قد نهنهني تنهنهي * وأول حلم ليس بالمسفه
وقول إلا ده فلا ده
وينشد أيضا :
وقولهم إلا ده فلا ده
وإنما قيل :
لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى
فأصحب ماضي الفعل الحرف الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل ، فقيل : وقالوا لإخوانهم ثم قيل : إذا ضربوا . وإنما يقال في الكلام : أكرمتك إذ زرتني ، ولا يقال : أكرمتك إذا زرتني ، لأن القول الذي في قوله :
وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ
وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى المستقبل ، وذلك أن العرب تذهب بالذين مذهب الجزاء ، وتعاملها في ذلك معاملة " من " و " ما " ، لتقارب معاني ذلك في كثير من الأشياء ، وإن جمعهن أشياء مجهولات غير مؤقتات توقيت عمرو وزيد . فلما كان ذلك كذلك ، وكان صحيحا في الكلام فصيحا أن يقال للرجال : أكرم من أكرمك ، وأكرم كل رجل أكرمك ، فيكون الكلام خارجا بلفظ الماضي مع من وكل مجهول ، ومعناه الاستقبال ، إذ كان الموصوف بالفعل غير موقت ، وكان " الذين " في قوله :
لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
غير موقتين ، أجريت مجرى " من " و " ما " في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال ، كما قال الشاعر في " ما " :
وإني لآتيكم تشكر ما مضى * من الأمر واستيجاب ما كان في غد
فقال : ما كان في غد ، وهو يريد : ما يكون في غد ، ولو كان أراد الماضي لقال : ما كان في أمس ، ولم يجز له أن يقول : ما كان في غد . ولو كان الذي موقتا ، لم يجز أن يقال : ذلك خطأ أن يقال لك : من هذا الذي
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 97 | محمد بن جرير الطبري