تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
حتى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى ، والناس يقولون : قتل محمد فقلت : لا أجد أحدا يقول قتل محمد إلا قتلته . حتى اجتمعنا على الجبل ، فنزلت :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
الآية كلها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
الآية ، وذلك يوم أحد ، ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبي الله يومئذ ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه ، فأنزل الله عز وجل ما تسمعون أنه قد تجاوز لهم عن ذلك ، وعفا عنهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثني عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
الآية ، فذكر نحو قول قتادة . وقال آخرون : بل عني بذلك خاص ممن ولى الدبر يومئذ ، قالوا : وإنما عني به الذين لحقوا بالمدينة منهم دون غيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما انهزموا يومئذ تفرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فدخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة ، فقاموا عليها ، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا ، فدخلوا المدينة ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
الآية . وقال آخرون : بل نزل ذلك في رجال بأعيانهم معروفين . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عكرمة ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
قال : نزلت في رافع بن المعلى وغيره من الأنصار وأبي حذيفة بن عتبة ، ورجل آخر . قال ابن جريج : وقوله :
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
إذ لم يعاقبهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : فر عثمان بن عفان ، وعقبة بن عثمان ، وسعد بن عثمان رجلان من الأنصار حتى بلغوا الجلعب ، جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص . فأقاموا به ثلاثا ، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : " لقد ذهبتم فيها عريضة " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
الآية ، والذين استزلهم الشيطان : عثمان بن عفان ، وسعد بن عثمان ، وعقبة بن عثمان الأنصاريان ، ثم الزرقيان . وأما قوله :
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
فإن معناه : ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ، أن يعاقبهم ، بتوليهم عن عدوهم . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قوله :
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
يقول : ولقد عفا الله عنهم إذ لم يعاقبهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله في توليهم يوم أحد :
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة ، أم عفو عن المسلمين كلهم . . وقد بينا تأويل قوله :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
فيما مضى . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاء به محمد من عند الله ، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله ، فجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال لإخوانه من أهل الكفر
إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
فخرجوا من بلادهم سفرا في تجارة ،
أَوْ كانُوا غُزًّى
يقول : أو كان خروجهم من بلادهم غزاة ، فهلكوا فماتوا في سفرهم ، أو قتلوا في غزوهم ،
لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار ، أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله أو تجارة : لو لم يكونوا خرجوا من عندنا ، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا .
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
يعني :