تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
جوابا لقوله :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ
فإن القول فيه أن يقال فيه : كأنه قال : ولئن متم أو قتلتم ، فذكر لهم رحمة من الله ومغفرة ، إذ كان ذلك في السبيل ، فقال :
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ
يقول : لذلك
خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
يعني لتلك المغفرة والرحمة خير مما تجمعون . ودخلت اللام في قوله :
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ
لدخولها في قوله : " ولئن " ، كما قيل :
وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
يعني بذلك جل ثناؤه : ولئن متم أو قتلتم أيها المؤمنون ، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم ، فيجازيكم بأعمالكم ، فآثروا ما يقربكم من الله ، ويوجب لكم رضاه ، ويقربكم من الجنة ، من الجهاد في سبيل الله ، والعمل بطاعته على الركون إلى الدنيا ، وما تجمعون فيها من حطامها الذي هو غير باق لكم ، بل هو زائل عنكم ، وعلى ترك طاعة الله والجهاد ، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم ، ويوجب لكم سخطه ، ويقربكم من النار . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال ابن إسحاق . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ
أي ذلك كان ،
لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
أي أن إلى الله المرجع ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا تغتروا بها ، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه آثر عندكم منها . وأدخلت اللام في قوله :
لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
لدخولها في قوله " ولئن " ، ولو كانت اللام مؤخرة ، إلى قوله : " تحشرون " ، لأحدثت النون الثقيلة فيه ، كما تقول في الكلام : لئن أحسنت إلي لأحسنن إليك ، بنون مثقلة ، فكان كذلك قوله : " ولئن متم أو قتلتم لتحشرن إلى الله " ، ولكن لما حيز بين اللام وبين تحشرون بالصفة أدخلت في الصفة ، وسلمت " تحشرون " ، فلم تدخلها النون الثقيلة ، كما تقول في الكلام : لئن أحسنت إلي لإليك أحسن ، بغير نون مثقلة . القول في تأويل قوله تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
يعني جل ثناؤه بقوله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
فبرحمة من الله و " ما " صلة ، وقد بينت وجه دخولها في الكلام في قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
والعرب تجعل " ما " صلة في المعرفة والنكرة ، كما قال :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
والمعنى : فبنقضهم ميثاقهم . وهذا في المعرفة ، وقال في النكرة :
عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
والمعنى : عن قليل . وربما جعلت اسما وهي في مذهب صلة ، فيرفع ما بعدها أحيانا على وجه الصلة ، ويخفض على اتباع الصلة ما قبلها ، كما قال الشاعر :
فكفى بنا فضلا على من غيرنا * حب النبي محمد إيانا
إذا جعلت غير صلة رفعت بإضمار هو ، وإن خفضت أتبعت من فأعربته ، فذلك حكمه على ما وصفنا مع النكرات ، فأما إذا كانت الصلة معرفة ، كان الفصيح من الكلام الاتباع ، كما قيل :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
والرفع جائز في العربية . وبنحو ما قلنا في قوله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
يقول : فبرحمة من الله لنت لهم . وأما قوله :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
فإنه يعني بالفظ : الجافي ، وبالغليظ القلب : القاسي القلب غير ذي رحمة ولا رأفة ، وكذلك صفته صلى الله عليه وسلم ، كما وصفه الله :
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
فتأويل الكلام : فبرحمة الله يا محمد ورأفته بك ، وبمن آمن بك من أصحابك ، لنت لهم لتباعك وأصحابك فسهلت لهم خلائقك ، وحسنت لهم أخلاقك ، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه ، وعفوت عن ذي الجرم منهم