تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
أكرمك إذا زرته ؟ لأن الذي هاهنا موقت ، فقد خرج من معنى الجزاء ، ولو لم يكن في الكلام هذا ، لكان جائزا فصيحا ، لأن الذي يصير حينئذ مجهولا غير موقت ، ومن ذلك قول الله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فرد " يصدون " على " كفروا " ، لأن " الذين " غير موقتة ، فقوله :
كَفَرُوا
وإن كان في لفظ ماض ، فمعناه الاستقبال ، وكذلك قوله :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
وقوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ
معناه : إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم ، وإلا من يتوب ويؤمن ، ونظائر ذلك في القرآن والكلام كثير ؛ والعلة في كل ذلك واحدة . وأما قوله :
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
فإنه يعني بذلك : حزنا في قلوبهم . كما : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
فِي قُلُوبِهِمْ
قال : يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
والله المعجل الموت لمن يشاء من حيث يشاء ، والمميت من يشاء كلما شاء دون غيره من سائر خلقه . وهذا من الله عز وجل ترغيب لعباده المؤمنين على جهاد عدوه ، والصبر على قتالهم ، وإخراج هيبتهم من صدورهم ، وإن قل عددهم ، وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله ، وإعلام منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده ، وأنه لن يموت أحد ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له ، ونهي منه لهم إذ كان كذلك أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين . ثم قال جل ثناؤه :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
يقول : إن الله يرى ما تعملون من خير وشر ، فاتقوه أيها المؤمنون ، فإنه محص ذلك كله ، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال ابن إسحاق . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
يخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين يقول لهم : لا تكونوا أيها المؤمنون في شك من أن الأمور كلها بيد الله ، وأن إليه الإحياء والإماتة ، كما شك المنافقون في ذلك ، ولكن جاهدوا في سبيل الله ، وقاتلوا أعداء الله على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب ، ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته . ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمة ، وأخبرهم أن موتا في سبيل الله وقتلا في الله خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله ويتأخرون عن لقاء العدو . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
أي إن الموت كائن لا بد منه ، فموت في سبيل الله أو قتل خير لو علموا فأيقنوا مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد ، تخوفا من الموت والقتل لما جمعوا من زهيد الدنيا وزهادة في الآخرة . وإنما قال الله عز وجل :
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
وابتدأ الكلام : " ولئن متم أو قتلتم " بحذف جزاء " لئن " لأن في قوله :
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
معنى جواز للجزاء ، وذلك أنه وعد خرج مخرج الخبر . فتأويل الكلام : ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ، ليغفرن الله لكم وليرحمنكم ، فدل على ذلك بقوله :
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
وجمع مع الدلالة به عليه الخبر عن فضل ذلك على ما يؤثرونه من الدنيا ، وما يجمعون فيها . وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أنه إن قيل : كيف يكون :
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ