تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
وصفت لك صفتهم من المنافقين : لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم ، ولم تحضروا معهم حرب أعدائهم من المشركين ، فيظهر للمؤمنين ما كنتم تخفونه من نفاقكم ، وتكتمونه من شرككم في دينكم ، لبرز الذين كتب عليهم القتل ، يقول : لظهر للموضع الذي كتب عليه مصرعه فيه من قد كتب عليه القتل منهم ، ويخرج من بيته إليه ، حتى يصرع في الموضع الذي كتب عليه أن يصرع فيه . وأما قوله :
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ
فإنه يعني به : وليبتلي الله ما في صدوركم أيها المنافقون كنتم تبرزون من بيوتكم إلى مضاجعكم . ويعني بقوله :
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ
وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك ، فيميزكم بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم من المؤمنين . وقد دللنا فيما مضى على أن معاني نظائر قوله :
لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
وما أشبه ذلك ، وإن كان في ظاهر الكلام مضافا إلى الله الوصف به ، فمراد به أولياؤه وأهل طاعته ؛ وأن معنى ذلك : وليختبر أولياء الله ، وأهل طاعته ، الذي في صدوركم من الشك والمرض ، فيعرفوكم من أهل الإخلاص واليقين .
وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ
يقول : وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من العداوة أو الولاية .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
يقول : والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر وإيمان وكفر ، لا يخفى عليه شيء من أمورهم ، سرائرها وعلانيتها ، وهو لجميع ذلك حافظ ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن إسحاق يقول . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق ، قال : ذكر الله تلاومهم ، يعني : تلاوم المنافقين وحسرتهم على ما أصابهم ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لو كنتم في بيوتكم لم تحضروا هذا الموضع الذي أظهر الله جل ثناؤه فيه منكم ما أظهر من سرائركم ، لأخرج الذي كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه ، حتى يبتلي به ما في صدوركم ؛ وليمحص ما في قلوبكم ، والله عليم بذات الصدور ، أي لا يخفى عليه شيء مما في صدورهم مما استخفوا به منكم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا الحرث بن مسلم ، عن بحر السقاء ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن ، قال : سئل عن قوله :
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ
قال : كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله ، وليس كل من يقاتل يقتل ، ولكن يقتل من كتب الله عليه القتل . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ
يعني بذلك جل ثناؤه : إن الذين ولوا عن المشركين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانهزموا عنهم ، وقوله :
تَوَلَّوْا
تفعلوا ، من قولهم : ولى فلان ظهره . وقوله :
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
يعني : يوم التقى جمع المشركين والمسلمين بأحد ،
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ
أي إنما دعاهم إلى الزلة الشيطان . وقوله استزل : استفعل ، من الزلة ، والزلة : هي الخطيئة .
بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
يعني : ببعض ما عملوا من الذنوب .
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
يقول : ولقد تجاوز الله عن عقوبة ذنوبهم فصفح لهم عنه .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
يعني به : مغط على ذنوب من آمن به واتبع رسوله ، بعفوه عن عقوبته إياهم عليها .
حَلِيمٌ
يعني : أنه ذو أناة لا يعجل على من عصاه وخالف أمره بالنقمة . ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين عنوا بهذه الآية ، فقال بعضهم : عني بها كل من ولى الدبر عن المشركين بأحد . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، قال : ثنا عاصم بن كليب ، عن أبيه كليب ، قال : خطب عمر يوم الجمعة ، فقرأ آل عمران ، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها ، فلما انتهى إلى قوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
قال : لما كان يوم أحد هزمناهم ، ففررت