جهل عظيم عقاب الله عليه أهله في عاجل الدنيا وأجل الآخرة ، فقيل لمن أتاه وهو به عالم : أتاه بجهالة ، بمعنى : أنه فعل فعل الجهال به ، لا أنه كان جاهلا . وقد زعم بعض أهل العربية أن معناه : أنهم جهلوا كنه ما فيه من العقاب ، فلم يعلموه كعلم العالم ، وإن علموه ذنبا ، فلذلك قيل :
يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
. ولو كان الأمر على ما قال صاحب هذا القول لوجب أن لا تكون توبة لمن علم كنه ما فيه . وذلك أنه جل ثناؤه قال :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
دون غيرهم . فالواجب على صاحب هذا القول أن لا يكون للعالم الذي عمل سوءا على علم منه بكنه ما فيه ثم تاب من قريب ؛ توبة ، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن كل تائب عسى الله أن يتوب عليه ، وقوله : " باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها " ، وخلاف قول الله عز وجل :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً
. القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
. اختلف أهل التأويل في معنى القريب في هذا الموضع ، فقال بعضهم : معنى ذلك : ثم يتوبون في صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
والقريب قبل الموت ما دام في صحته . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا محمد بن فضيل ، عن أبي النضر ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
قال : في الحياة والصحة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم يتوبون من قبل معاينة ملك الموت . ذكر من قال ذلك . حدثنا المثنى ، قال :
ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عمران بن حدير ، قال : قال أبو مجلز : لا يزال الرجل في توبة حتى يعاين الملائكة .
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس ، قال : القريب :
ما لم تنزل به آية من آيات الله تعالى وينزل به الموت . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت ، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت فليس له ذاك . وقال آخرون :
بل معنى ذلك : ثم يتوبون من قبل الموت . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن رجل ، عن الضحاك :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
قال : كل شيء قبل الموت فهو قريب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا معتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
قال : الدنيا كلها قريب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال :
قال ابن زيد في قوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
قبل الموت . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي قلابة ، قال : ذكر لنا أن إبليس لما لعن وأنظر ، قال : وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح فقال تبارك وتعالى : وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا عمران ، عن قتادة ، قال : كنا عند أنس بن مالك وثم أبو قلابة ، فحدث أبو قلابة قال : إن الله تبارك وتعالى لما لعن إبليس سأله النظرة ، فقال : وعزتك لا أخرج من قلب