تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً
وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فأوصوا لهم ، بما قد دللنا عليه من الأدلة . فإذا كان ذلك تأويل قوله :
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ
الآية ، فالواجب أن يكون قوله تعالى ذكره :
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ
تأديبا منه عباده في أمر الوصية بما أذنهم فيه ، إذ كان ذلك عقيب الآية التي قبلها في حكم الوصية ، وكان أظهر معانيه ما قلنا ، فإلحاق حكمه بحكم ما قبله أولى مع اشتباه معانيهما من صرف حكمه إلى غيره بما هو له غير مشبه . وبمعنى ما قلنا في تأويل قوله :
وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
قال من ذكرنا قوله في مبتدأ تأويل هذه الآية ، وبه كان ابن زيد يقول . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
قال : يقول قولا سديدا ، يذكر هذا المسكين وينفعه ، ولا يجحف بهذا اليتيم وارث المؤدي ولا يضر به ، لأنه صغير لا يدفع عن نفسه ، فانظر له كما تنظر إلى ولدك لو كانوا صغارا . والسديد من الكلام : هو العدل والصواب . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
يعني بذلك جل ثناؤه :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
يقول : بغير حق ،
إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
يوم القيامة ، بأكلهم أموال اليتامى ظلما في الدنيا ، نار جهنم .
وَسَيَصْلَوْنَ
بأكلهم
سَعِيراً
. كما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
قال : إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلما ، يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه ، يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : أخبرني أبو هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : ثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به ، قال : " نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم ، قلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
قال : قال أبي زيد : إن هذه لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم . وأما قوله :
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
فإنه مأخوذ من الصلا ، والصلا : الاصطلاء بالنار ، وذلك التسخين بها ، كما قال الفرزدق :
وقاتل كلب الحي عن نار أهله * ليربض فيها والصلامتكنف
وكما قال العجاج :
وصاليان للصلا صلي
ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرا من الأمور ، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك ، كما قال الشاعر :
لم أكن من جناتها علم الل * ه وإني لحرها اليوم صالي
فجعل ما باشر من شدة الحرب وإجراء القتال ، بمنزلة مباشرة أذى النار وحرها . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والعراق :
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
بفتح الياء على التأويل الذي قلنا . وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض الكوفيين : " وسيصلون سعيرا " بضم الياء ، بمعنى يحرقون من قولهم : شاة مصلية ، يعني :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 184 | محمد بن جرير الطبري