تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
لنا قائل : قد علمت أن الحلال لكم من جميع النساء الحرائر نكاح أربع ، فكيف قيل :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
وذلك في العدد تسع ؟ قيل : إن تأويل ذلك : فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، إما مثنى إن أمنتم الجور من أنفسكم فيما يجب لهما عليكم ؛ وإما ثلاث إن لم تخافوا ذلك ؛ وإما أربع إن أمنتم ذلك فيهن ، يدل على صحة ذلك قوله :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
لأن المعنى : فإن خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة ، ثم قال : وإن خفتم ألا تعدلوا أيضا في الواحدة ، فما ملكت أيمانكم . فإن قال قائل : فإن أمر الله ونهيه على الإيجاب والإلزام حتى تقوم حجة بأن ذلك على التأديب والإرشاد والإعلام ، وقد قال تعالى ذكره :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
وذلك أمر ، فهل من دليل على أنه من الأمر الذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب ؟ قيل : نعم ، والدليل على ذلك قوله :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
فكان معلوما بذلك أن قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
وإن كان مخرجه مخرج الأمر ، فإنه بمعنى الدلالة على النهي عن نكاح ما خاف الناكح الجور فيه من عدد النساء ، لا بمعنى الأمر بالنكاح . فإن المعني به : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فتحرجتم فيهن ، فكذلك فتحرجوا في النساء ، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه منهن ، ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع . وقد بينا في غير هذا الموضع بأن العرب تخرج الكلام بلفظ الأمر ، ومعناها فيه النهي أو التهديد والوعيد ، كما قال جل ثناؤه :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
وكما قال :
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
فخرج ذلك مخرج الأمر ، والمقصود به التهديد والوعيد ، والزجر والنهي ، فكذلك قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
بمعنى النهي ، فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء . وعلى النحو الذي قلنا في معنى قوله :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
يقول : فإن خفت ألا تعدل في واحدة ، فما ملكت يمينك . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
السراري . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
فإن خفت ألا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : حدثنا يزيد ، قال : ثنا جويبر ، عن الضحاك ، قوله :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا
قال : في المجامعة والحب . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا
. يعني بقوله تعالى ذكره : وإن خفتم ألا تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباع فنكحتم واحدة ، أو خفتم ألا تعدلوا في الواحدة فتسررتم ملك أيمانكم ؛ فهو أدنى ، يعني : أقرب ألا تعولوا ، يقول : أن لا تجوروا ولا تميلوا ، يقال منه : عال الرجل فهو يعول عولا وعيالة ، إذا مال وجار ، ومنه عول الفرائض ، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص ؛ وأما من الحاجة ، فإنما يقال : عال الرجل عيلة ، وذلك إذا احتاج ، كما قال الشاعر :
وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل
بمعنى يفتقر . وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا يونس ، عن الحسن :
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا
قال : العول : الميل في النساء . حدثنا ابن حميد ، قال : ثني حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 160 | محمد بن جرير الطبري