فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
. حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اللاتي أنتم ولاتهن ، فلا تنكحوهن ، وانكحوا أنتم ما أحل لكم منهن . ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة :
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى
قال : نزلت في اليتيمة تكون عند الرجل هو وليها ، ليس لها ولي غيره ، وليس أحد ينازعه فيها ، ولا ينكحها لمالها ، فيضر بها ، ويسيء صحبتها . حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا يونس ، عن الحسن في هذه الآية :
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ
أي ما حل لكم من يتاماكم من قراباتكم
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
. قال أبو جعفر : وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال : تأويلها : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ، فكذلك فخافوا في النساء ، فلا تنكحوا منهن إلا مالا تخافون أن تجوروا فيه منهن من واحدة إلى الأربع تعدد الزوجات ، فإن خفتم الجور في الواحدة أيضا فلا تنكحوها ، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم ، فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن . وإنما قلنا : إن ذلك أولى بتأويل الآية ، لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها ، وخلطها بغيرها من الأموال ، فقال تعالى ذكره :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً
. ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرجوا فيه ، فالواجب عليهم من اتقاء الله ، والتحرج في أمر النساء مثل الذي عليهم ظن التحرج في أمر اليتامى ، وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيهن ، كما عرفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى ، فقال : انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم ، ما أبحت لكم منهن وحللته ، مثنى وثلاث ورباع ، فإن خفتم أيضا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة بأن لا تقدروا على إنصافها ، فلا تنكحوها ، ولكن تسروا من المماليك ، فإنكم أحرى أن لا تجوروا عليهن ، لأنهن أملاككم وأموالكم ، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر ، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور ، ففي الكلام إذ كان المعنى ما قلنا ، متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره . وذلك أن معنى الكلام : وإن خفتم ألا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها ، فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم ، فلا تتزوجوا منهن إلا ما أمنتم معه الجور ، مثنى وثلاث ورباع ، وإن خفتم أيضا في ذلك فواحدة ، وإن خفتم في الواحدة فما ملكت أيمانكم فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا أن تقسطوا في حقوق النساء بدلالة ما ظهر من قوله تعالى :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
. فإن قال قائل : فأين جواب قوله :
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى
قيل : قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ
غير أن المعنى الذي يدل على أن المراد بذلك ما قلنا : قوله :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا
. وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى الإقساط في كلام العرب : العدل والإنصاف ، وأن القسط : الجور والحيف ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأما اليتامى ، فإنها جمع . لذكران الأيتام وإناثهم في هذا الموضع . وأما قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
فإنه يعني : فانكحوا ما حل لكم منهن دون ما حرم عليكم منهن .
كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي مالك ، قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ