تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
القراء في قراءة قوله :
وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا
فقرأه بعضهم : " وقتلوا وقتلوا " بالتخفيف ، بمعنى أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين وقرأ ذلك آخرون : " وقاتلوا وقتلوا " بتشديد قتلوا ، بمعنى : أنهم قاتلوا المشركين ، وقتلهم المشركون بعضا بعد بعض وقتلا بعد قتل . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين : " وقاتلوا وقتلوا " بالتخفيف ، بمعنى أنهم قاتلوا المشركين وقتلوا . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين :
وَقُتِلُوا
بالتخفيف
وَقاتَلُوا
بمعنى : أن بعضهم قتل ، وقاتل من بقي منهم . والقراءة التي لا أستجيز أن أعدوها إحدى هاتين القراءتين ، وهي : " وقاتلوا وقتلوا " بالتخفيف ، أو
وَقُتِلُوا
بالتخفيف
وَقاتَلُوا
لأنها القراءة المنقولة نقل وراثة ، وما عداهما فشاذ . وبأي هاتين القراءتين التي ذكرت أني لا أستجيز أن أعدوهما قرأ قارئ فمصيب في ذلك الصواب من القراءة ، لاستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قراء الإسلام مع اتفاق معنييهما . القول في تأويل قوله تعالى :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ
يعني بذلك جل ثناؤه : ولا يغرنك يا محمد تقلب الذين كفروا في البلاد ، يعني : تصرفهم في الأرض وضربهم فيها . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ
يقول : ضربهم في البلاد . فنهى الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بضربهم في البلاد ، وإمهال الله إياهم مع شركهم وجحودهم نعمه ، وعبادتهم غيره . وخرج الخطاب بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمعني به غيره من أتباعه وأصحابه ، كما قد بينا فيما مضى قبل من أمر الله ، ولكن كان بأمر الله صادعا ، وإلى الحق داعيا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ
والله ما غروا نبي الله ، ولا وكل إليهم شيئا من أمر الله ، حتى قبضه الله على ذلك . وأما قوله :
مَتاعٌ قَلِيلٌ
فإنه يعني : أن تقلبهم في البلاد وتصرفهم فيها متعة يمتعون بها قليلا ، حتى يبلغوا آجالهم ، فتخترمهم منياتهم ، ثم مأواهم جهنم بعد مماتهم ، والمأوى : المصير الذي يأوون إليه يوم القيامة ، فيصيرون فيه . ويعني بقوله :
وَبِئْسَ الْمِهادُ
وبئس الفراش والمضجع جهنم . القول في تأويل قوله تعالى :
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
يعني بذلك جل ثناؤه :
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
لكن الذين اتقوا الله بطاعته ، واتباع مرضاته ، في العمل بما أمرهم به ، واجتناب ما نهاهم عنه .
لَهُمْ جَنَّاتٌ
يعني : بساتين .
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها
يقول : باقين فيها أبدا .
نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
يعني : إنزالا من الله إياهم فيها أنزلهموها ؛ ونصب " نزلا " على التفسير ، من قوله : لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، كما يقال : لك عند الله جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا ، وكما يقال : هو لك صدقة ، وهو لك هبة . وقوله :
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
يعني : من قبل الله ، ومن كرامة الله إياهم ، وعطاياه لهم . وقوله :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
يقول : وما عند الله من الحياة والكرامة ، وحسن المآب خير للأبرار ، مما يتقلب فيه الذين كفروا فإن الذي يتقلبون فيه زائل فان ، وهو قليل من المتاع خسيس ، وما عند الله خير من كرامته للأبرار ، وهم أهل طاعته ، باق غير فان ولا زائل . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت ابن زيد يقول في قوله :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
قال : لمن يطيع الله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن الأعمش ، عن خيثمة عن الأسود ، عن عبد الله ،