تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
فعل يفعل ، نحو ما قلنا من نعس ينعس ، ورب يرب . فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا ، وكان الربان ما ذكرنا ، والرباني : هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفت ، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين ، يرب أمور الناس بتعليمه إياهم الخير ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم ، وكان كذلك الحكيم التقي لله ، والولي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق بالقيام فيهم ، بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم ، وعائدة النفع عليهم في دينهم ودنياهم ؛ كانوا جميعا مستحقين أنهم ممن دخل في قوله عز وجل
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
. فالربانيون إذا ، هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا ، ولذلك قال مجاهد : " وهم فوق الأحبار " ، لأن الأحبار هم العلماء . والرباني : الجامع إلى العلم والفقه ، البصر بالسياسة والتدبير ، والقيام بأمور الرعية ، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم . القول في تأويل قوله تعالى :
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ ، وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه عامة قراء أهل الحجاز وبعض البصريين : " بما كنتم تعلمون " بفتح التاء وتخفيف اللام ، يعني : بعلمكم الكتاب ، ودراستكم إياه وقراءتكم . واعتلوا لاختيارهم قراءة ذلك كذلك ، بأن الصواب لو كان التشديد في اللام وضم التاء ، لكان الصواب في " تدرسون " بضم التاء وتشديد الراء . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين :
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ
بضم التاء من تعلمون وتشديد اللام ، بمعنى : بتعليمكم الناس الكتاب ، ودراستكم إياه . واعتلوا لاختيارهم ذلك بأن من وصفهم بالتعليم فقد وصفهم بالعلم ، إذ لا يعلمون إلا بعد علمهم بما يعلمون . قالوا : ولا موصوف بأنه يعلم ، إلا وهو موصوف بأنه عالم . قالوا : فأما الموصوف بأنه عالم ، فغير موصوف بأنه معلم غيره . قالوا : فأولى القراءتين بالصواب ، أبلغهما في مدح القوم ، وذلك وصفهم بأنهم كانوا يعلمون الناس الكتاب . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن ابن عيينة ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد أنه قرأ : " بما كنت تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون " مخففة بنصب التاء . وقال ابن عيينة : ما علموه حتى علموه . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأه بضم التاء وتشديد اللام ، لأن الله عز وجل وصف القوم بأنهم أهل عماد للناس في دينهم ودنياهم ، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربية ، يقول جل ثناؤه :
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
على ما بينا قبل من معنى الرباني . ثم أخبر تعالى ذكره عنهم أنهم صاروا أهل إصلاح للناس ، وتربية لهم بتعليمهم إياهم كتاب ربهم . ودراستهم إياه : تلاوته ، وقد قيل : دراستهم الفقه . وأشبه التأويلين بالدراسة ما قلنا من تلاوة الكتاب ، لأنه تدرسون عطف على قوله :
تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ
، والكتاب : هو القرآن ، فلأن تكون الدراسة معنيا بها دراسة القرآن أولى من أن تكون معنيابها دراسة الفقه الذي لم يجر له ذكر . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : قال يحيى بن آدم : قال أبو زكريا : كان عاصم يقرؤها :
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ
قال : القرآن ،
وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
قال : الفقه . فمعنى الآية : ولكن يقول لهم : كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم ، ربانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله ، وما فيه من حلال وحرام ، وفرض وندب ، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم ، وبتلاوتكم إياه ودراستكموه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
وَلا يَأْمُرَكُمْ
، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة : " ولا يأمركم " على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمركم أيها الناس أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا . واستشهد قارئو ذلك كذلك بقراءة ذكروها عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها وهي : " ولن يأمركم " فاستدلوا بدخول لن على انقطاع الكلام عما قبله ، وابتداء خبر مستأنف . قالوا : فلما صير مكان " لن " في قراءتنا " لا " وجبت قراءته بالرفع . وقرأه بعض الكوفيين والبصريين :
وَلا يَأْمُرَكُمْ
بنصب الراء عطفا على قوله :
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ
. وكان تأويله عندهم : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ، ثم يقول للناس ولا أن يأمركم ، بمعنى : ولا كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك :
وَلا يَأْمُرَكُمْ
بالنصب على الاتصال