قال قائل : وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد علمت أن الناس لم يزالوا كذلك منهم المؤدي أمانته والخائنها ؟ قيل : إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرهم على ما بينه في كتابه بهذه الآيات تحذيرهم أن يأتمنوهم على أموالهم ، وتخويفهم الاغترار بهم ، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين . فتأويل الكلام : ومن أهل الكتاب الذي إن تأمنه يا محمد على عظيم من المال كثير ، يؤده إليك ، ولا يخنك فيه ؛ ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنك فيه ، فلا يؤده إليك إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة . والباء في قوله :
بِدِينارٍ
، وعلى يتعاقبان في هذا الموضع ، كما يقال : مررت به ، ومررت عليه . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
فقال بعضهم : إلا ما دمت له متقاضيا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
إلا ما طلبته واتبعته . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
قال : تقتضيه إياه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
قال : مواظبا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : معنى ذلك : إلا ما دمت عليه قائما على رأسه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
يقول : يعترف بأمانته ما دمت قائما على رأسه ، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافرك الذي يؤدي ، والذي يجحد . وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال : معنى ذلك : إلا ما دمت عليه قائما بالمطالبة والاقتضاء ، من قولهم : قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي ، أي عمل في تخليصه ، وسعى في استخراجه منه حتى استخرجه ، لأن الله عز وجل إنما وصفهم باستحلالهم أموال الأميين ، وأن منهم من لا يقضي ما عليه إلا بالاقتضاء الشديد والمطالبة ، وليس القيام على رأس الذي عليه الدين ، بموجب له النقلة عما هو عليه من استحلال ما هو له مستحل ، ولكن قد يكون مع استحلاله الذهاب بما عليه لرب الحق إلى استخراجه السبيل بالاقتضاء والمحاكمة والمخاصمة ، فذلك الاقتضاء : هو قيام رب المال باستخراج حقه ممن هو عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
. يعني بذلك جل ثناؤه : أن من استحل الخيانة من اليهود وجحود حقوق العربي التي هي له عليه ، فلم يؤد ما ائتمنه العربي عليه إليه إلا ما دام له متقاضيا مطالبا ، من أجل أنه يقول : لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ، ولا إثم ، لأنهم على غير الحق ، وأنهم مشركون .
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم نحو قولنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
الآية ، قالت اليهود : ليس علينا فيما