سميع أمدح ، وهو بمعنى ذو سمع له ، وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه : إنك تسمع ما تدعي به . فتأويل الآية : فعند ذلك دعا زكريا ربه فقال : رب هب لي من عندك ولدا مباركا ، إنك ذو سمع دعاء من دعاك .
القول في تأويل قوله تعالى :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
على التأنيث بالتاء ، يراد بها : جمع الملائكة ، وكذلك تفعل العرب في جماعة الذكور إذا تقدمت أفعالها أنثت أفعالها ولا سيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث كقولهم : جاءت الطلحات . وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء ، بمعنى : فناداه جبريل فذكروه للتأويل ، كما قد ذكرنا آنفا أنهم يؤنثون فعل الذكر للفظ ، فكذلك يذكرون فعل المؤنث أيضا للفظ .
واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءة يذكر أنها قراءة عبد الله بن مسعود ، وهو ما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد أن قراءة ابن مسعود : " فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب " . وكذلك تأول قوله :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
وهو جبريل أو : قالت الملائكة ، وهو جبريل
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
. فإن قال قائل : وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
والملائكة جمع لا واحد ؟ قيل : ذلك جائز في كلام العرب بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع ، كما يقال في الكلام : خرج فلان على بغال البرد ، وإنما ركب بغلا واحدا ، وركب السفن ، وإنما ركب سفينة واحدة ، وكما يقال : ممن سمعت هذا الخبر ؟ فيقال : من الناس ، وإنما سمعه من رجل واحد ؛ وقد قيل : إن منه قوله :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
والقائل كان فيما ذكر واحدا ، وقوله :
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ
والناس بمعنى واحد ، وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد . وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك فنادته أنهما قراءتان معروفتان ، أعني التاء والياء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وذلك أنه لا اختلاف في معنى ذلك باختلاف القراءتين ، وهما جميعا فصيحتان عند العرب ، وذلك أن الملائكة إن كان مرادا بها جبريل كما روي عن عبد الله فإن التأنيث في فعلها فصيح في كلام العرب للفظها إن تقدمها الفعل ، وجائز فيه التذكير لمعناها . وإن كان مرادا بها جمع الملائكة فجائز في فعلها التأنيث ، وهو من قبلها للفظها ، وذلك أن العرب إذا قدمت على الكثير من الجماعة فعلها أنثته ، فقالت : قالت النساء ، وجائز التذكير في فعلها بناء على الواحد إذا تقدم فعله ، فيقال : قال الرجال . وأما الصواب من القول في تأويله ، فأن يقال : إن الله جل ثناؤه ، أخبر أن الملائكة نادته ، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد وجبريل واحد ، فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب ، دون الأقل ما وجد