تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
دعا ربه سرا ، فقال :
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
. وقوله :
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ
. وقال :
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
. حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : فلما رأى ذلك زكريا يعني فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف عند مريم قال : إن الذي يأتي بهذا مريم في غير زمانه ، قادر أن يرزقني ولدا قال الله عز وجل :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
قال : فذلك حين دعا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن عكرمة ، قال : فدخل المحراب ، وغلق الأبواب ، وناجى ربه ، فقال :
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
إلى قوله :
رَبِّ رَضِيًّا
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ
الآية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني بعض أهل العلم ، قال : فدعا زكريا عند ذلك بعد ما أسن ، ولا ولد له ، وقد انقرض أمل بيته ، فقال :
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ
ثم شكا إلى ربه ، فقال :
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
إلى :
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
الآية . وأما قوله :
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
فإنه يعني بالذرية : النسل ، وبالطيبة : المباركة . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
يقول : مباركة . وأما قوله :
مِنْ لَدُنْكَ
فإنه يعني من عندك . وأما الذرية : فإنها جمع ، وقد تكون في معنى الواحد ، وهي في هذا الموضع الواحد ؛ وذلك أن الله عز وجل قال في موضع آخر مخبرا عن دعاء زكريا :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
ولم يقل " أولياء " ، فدل على أنه سأل واحدا . وإنما أنث طيبة لتأنيث الذرية ، كما قال الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى * وأنت خليفة ، ذاك الكمال
فقال : ولدته أخرى ، فأنث ، وهو ذكر لتأنيث لفظ الخليفة ، كما قال الآخر :
كما يزدري من حية جبلية * سكاب إذا ما عض ليس بأزدرا
فأنث الجبلية لتأنيث لفظ الحية ، ثم رجعا إلى المعنى فقال : إذا ما عض لأنه كان أراد حية ذكرا ، وإنما يجوز هذا فيما لم يقع عليه فلان من الأسماء كالدابة والذرية والخليفة ، فأما إذا سمي رجل بشيء من ذلك ، فكان في معنى فلان لم يجز تأنيث فعله ولا نعته . وأما قوله :
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ
فإن معناه : إنك سامع الدعاء ، غير أن
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 168 | محمد بن جرير الطبري