بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة * أتتك من الحجاج يتلى كتابها
وقد قيل : إن " بشرت " لغة أهل تهامة من كنانة وغيرهم من قريش ، وأنهم يقولون : بشرت فلانا بكذا فأنا أبشره بشرا ، وهل أنت باشر بكذا ؟ وينشد لهم البيت في ذلك :
وإذا رأيت الباهشين إلى العلى * غبرا أكفهم بقاع ممحل
فأعنهم وابشر بما بشروا به * إذا هم نزلوا بضنك فانزل
فإذا صاروا إلى الأمر ، فالكلام الصحيح من كلامهم بلا ألف ، فيقال : أبشر فلانا بكذا ، ولا يكادون يقولون : بشره بكذا ، ولا أبشره . وقد روي عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ : " يبشرك " بضم الياء وكسر الشين وتخفيفها . وقد :
حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد ، عن معاذ الكوفي ، قال : من قرأ " يبشرهم " مثقلة ، فإنه من البشارة ، ومن قرأ " يبشرهم " مخففة بنصب الياء ، فإنه من السرور ، يسرهم . والقراءة التي هي القراءة عندنا في ذلك ضم الياء وتشديد الشين ، بمعنى التبشير ، لأن ذلك هي اللغة السائرة ، والكلام المستفيض المعروف في الناس ، مع أن جميع قراء الأمصار مجمعون في قراءة :
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
على التشديد . والصواب في سائر ما في القرآن من نظائره . أن يكون مثله في التشديد وضم الياء . وأما ما روي عن معاذ الكوفي من الفرق بين معنى التخفيف والتشديد في ذلك ، فلم نجد أهل العلم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح ، فلا معنى لما حكي من ذلك عنه ، وقد قال جرير بن عطية :
يا بشر حق لبشرك التبشير * هلا غضبت لنا وأنت أمير
فقد علم أنه أراد يقوله " التبشير " : الجمال والنضارة والسرور ، فقال " التبشير " ولم يقل " البشر " ، فقد بين ذلك أن معنى التخفيف والتثقيل في ذلك واحد . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
قال : بشرته الملائكة بذلك . وأما قوله :
بِيَحْيى
فإنه اسم أصله يفعل ، من قول القائل : حي فلان فهو يحيا ، وذلك إذا عاش فيحيى " يفعل " من قولهم " حيي " . وقيل : إن الله جل ثناؤه سماه بذلك لأنه يتأول اسمه أحياه بالإيمان . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
يقول : عبد أحياه الله بالإيمان . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن قتادة قوله :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
قال : إنما سمي يحيى ، لأن الله أحياه بالإيمان .
القول في تأويل قوله تعالى :
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ
يعني بقوله جل ثناؤه : إن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنا لك ،
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ
يعني بعيسى ابن مريم . ونصب قوله " مصدقا " على القطع من يحيى ، لأن " مصدقا " نعت له