إلى ذلك سبيل ، ولم يضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد ، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفي من الكلام والمعاني . وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم ، منهم قتادة والربيع بن أنس وعكرمة ومجاهد وجماعة غيرهم . وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مضى القول في تأويل قوله تعالى :
وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
وتأويل قوله
وَهُوَ قائِمٌ
فنادته الملائكة في حال قيامه مصليا .
فقوله :
وَهُوَ قائِمٌ
خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا ؛ وقوله :
يُصَلِّي
في موضع نصب على الحال من القيام ، وهو رفع بالياء . وأما المحراب : فقد بينا معناه ، وأنه مقدم المسجد . واختلفت القراء في قراءة قوله :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ
فقرأته عامة القراء :
أَنَّ اللَّهَ
بفتح الألف من " أن " بوقوع النداء عليها بمعنى فنادته الملائكة بذلك . وقرأه بعض قراء أهل الكوفة : " وإن الله يبشرك " بكسر الألف بمعنى : قالت الملائكة : إن الله يبشرك ، لأن النداء قول ؛ وذكروا أنها في قراءة عبد الله : " فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب يا زكريا إن الله يبشرك " ؛ قالوا : وإذا بطل النداء أن يكون عاملا في قوله : " يا زكريا " ، فباطل أيضا أن يكون عاملا في " إن " . والصواب من القراءة في ذلك عندنا :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ
بفتح أن بوقوع النداء عليه ، بمعنى : فنادته الملائكة بذلك ، وليست العلة التي اعتل بها القارئون بكسر إن ، من أن عبد الله كان يقرؤها كذلك ، وذلك أن عبد الله إن كان قرأ ذلك كذلك ، فإنما قرأها بزعمهم . وقد اعترض ب " يا زكريا " بين " إن " وبين قوله : " فنادته " ، وإذا اعترض به بينهما ، فإن العرب تعمل حينئذ النداء في " أن " ، وتبطله عنها . أما الإبطال ، فإنه بطل عن العمل في المنادى قبله ، فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله . وأما الإعمال ، فلأن النداء فعل واقع كسائر الأفعال . وأما قراءتنا فليس نداء زكريا ب " يا زكريا " ، معترضا به بين " أن " وبين قوله : " فنادته " ، وإذا لم يكن ذلك بينهما ، فالكلام الفصيح من كلام العرب إذ نصبت بقول : ناديت اسم المنادى ، وأوقعوه عليه أن يوقعوه كذلك على " أن " بعده وإن كان جائزا إبطال عمله ، فقوله : " نادته " ، قد وقع على مكني زكريا ؛ فكذلك الصواب أن يكون واقعا على " أن " وعاملا فيها ، مع أن ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام ، ولا يعترض بالشاذ على الجماعة التي تجيء مجيء الحجة . وأما قوله :
يُبَشِّرُكَ
فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ
بتشديد الشين وضم الياء على وجه تبشير الله زكريا بالولد ، من قول الناس : بشرت فلانا البشرى بكذا وكذا ، أي أتته بشارات البشرى بذلك . وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة وغيرهم : " أن الله يبشرك " بفتح الياء وضم الشين وتخفيفها ، بمعنى : أن الله يسرك بولد يهبه لك ، من قول الشاعر :