تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
أخبرنا عبد الرزاق ، قال أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
قال : ذكر الله أهل بيتين صالحين ورجلين صالحين ففضلهم على العالمين . فكان محمد من آل إبراهيم . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا عباد ، عن الحسن في قوله :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ
إلى قوله :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
قال : فضلهم الله على العالمين بالنبوة على الناس كلهم كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم . القول في تأويل قوله تعالى :
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يعني بذلك : أن الله اصطفى آل إبراهيم وآل عمران
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
فالذرية منصوبة على القطع من آل إبراهيم وآل عمران : لأن " الذرية " نكرة ، و " آل عمران " معرفة ، ولو قيل نصبت على تكرير الاصطفاء لكان صوابا ، لأن المعنى : اصطفى ذرية بعضها من بعض . وإنما جعل " بعضهم من بعض " في الموالاة في الدين والموازرة على الإسلام والحق ، كما قال جل ثناؤه :
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
وقال في موضع آخر :
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
يعني أن دينهم واحد وطريقتهم واحدة ، فكذلك قوله :
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
إنما معناه : ذرية دين بعضها دين بعض ، وكلمتهم واحدة ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
يقول : في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له . وقوله :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يعني بذلك : والله ذو مسمع لقول امرأة عمران ، وذو علم بما تضمره في نفسها ، إذ نذرت له ما في بطنها محررا . القول في تأويل قوله تعالى :
إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يعني بقوله جل ثناؤه :
إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي
ف " إذ " من صلة " سميع " وأما امرأة عمران فهي أم مريم ابنة عمران أم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه ، وكان اسمها فيما ذكر لنا حنة ابنة فاقوذ بن قتيل . كذلك : حدثنا به محمد بن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق في نسبه . وقال غير ابن حميد : ابنة فاقود بالدال ابن قتيل . فأما زوجها فإنه عمران بن ياشهم بن آمون بن منشا بن حزقيا بن أحريق بن يويم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن يهفاشاط بن اشابرابان بن رحبعم بن سليمان بن داود بن إيشا . كذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، في نسبه . وأما قوله :
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً
فإن معناه : إني جعلت لك يا رب نذرا أن لك الذي في بطني محررا لعبادتك ، يعني بذلك : حبسته على خدمتك وخدمة قدسك في الكنيسة ، عتيقة من خدمة كل شيء سواك ، مفرغة لك خاصة . ونصب " محررا " على الحال من " ما " التي بمعنى " الذي " .
فَتَقَبَّلْ مِنِّي
أي فتقبل مني ما نذرت لك يا رب .
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يعني : إنك أنت يا رب السميع لما أقول وأدعو ، العليم لما أنوي في نفسي وأريد ، لا يخفى عليك سر أمري وعلانيته . وكان سبب نذر حنة ابنة فاقوذ امرأة عمران الذي ذكره الله في هذه الآية فيما بلغنا ، ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، قال : تزوج زكريا وعمران أختين ، فكانت أم يحيى عند زكريا ، وكانت أم مريم عند عمران ، فهلك عمران وأم مريم حامل بمريم ، فهي جنين في بطنها . قال : وكانت فيما يزعمون قد أمسك عنها الولد حتى أسنت ، وكانوا أهل بيت من الله جل ثناؤه بمكان . فبينا هي في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخا له ، فتحركت نفسها للولد ، فدعت الله أن يهب لها ولدا ، فحملت بمريم وهلك عمران . فلما عرفت