قال ذلك يوم بدر ، التقى المسلمون والكفار . ورفعت
فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وقد قيل قبل ذلك في فئتين ، بمعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله على الابتداء ، كما قال الشاعر :
فكنت كذي رجلين : رجل صحيحة * ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكما قال ابن مفرغ :
فكنت كذي رجلين : رجل صحيحة * ورجل بها ريب من الحدثان
فأما التي صحت فأزد شنوءة * وأما التي شلت فأزد عمان
وكذلك تفعل العرب في كل مكرر على نظير له قد تقدمه إذا كان مع المكرر خبر ترده على إعراب الأول مرة وتستأنفه ثانية بالرفع ، وتنصبه في التام من الفعل والناقص ، وقد جر ذلك كله ، فخفض على الرد على أول الكلام ، كأنه يعني إذا خفض ذلك فكنت كذي رجلين كذي رجل صحيحة ورجل سقيمة . وكذلك الخفض في قوله : " فئة " ، جائز على الرد على قوله : " في فئتين التقتا " ، في فئة تقاتل في سبيل الله . وهذا وإن كان جائزا في العربية ، فلا استجيز القراءة به لإجماع الحجة من القراء على خلافه ، ولو كان قوله : " فئة " جاء نصبا كان جائزا أيضا على قوله : قد كان لكم آية في فئتين التقتا مختلفتين . القول في تأويل قوله تعالى :
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته قراء أهل المدينة : " ترونهم " بالتاء ، بمعنى : قد كان لكم أيها اليهود آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله ، والأخرى كافرة ، ترون المشركين مثلي المسلمين رأي العين . يريد بذلك عظتهم . يقول : إن لكم عبرة أيها اليهود فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين ، وكثرة عدد المشركين ، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم بهؤلاء مع كثرة عددهم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض المكيين :
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ
بالياء ، بمعنى . يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله الجماعة الكافرة مثلي المسلمين في القدر .
فتأويل الآية على قراءتهم : قد كان لكم يا معشر اليهود عبرة ومتفكر في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله ، وأخرى كافرة ، يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم هؤلاء المشركين في كثرة عددهم . فإن قال قائل .
وما وجه تأويل قراءه من قرأ ذلك بالياء ، وأي الفئتين رأت صاحبتها مثليها ؟ الفتنة المسلمة هي التي رأت المشركة مثليها ، أم المشركة هي التي رأت المسلمة كذلك ، أم غيرهما رأت إحداهما كذلك ؟ قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم : الفئة التي رأت الأخرى مثلي أنفسها الفئة المسلمة ، رأت عدد الفئة المشركة مثلي عدد الفئة المسلمة ، قللها الله عز وجل في أعينها حتى رأتها مثلي عدد أنفسها ، ثم قللها في حال أخرى ، فرأتها مثل عدد أنفسها . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال . ثنا عمرو ، قال . ثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود .
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
قال : هذا يوم بدر ، قال عبد الله بن مسعود : قد نظرنا إلى المشركين ، فرأيناهم يضعفون علينا ، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا ، وذلك قول الله عز وجل .
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ
فمعنى الآية على هذا التأويل قللها الله عز وجل في أعينها حتى :
قد كان لكم يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا : إحداهما مسلمة ، والأخرى كافره ، كثير عدد الكافرة ، قليل عدد المسلمة ، ترى الفئة القليل عددها ، الكثير عددها أمثالا لها أنها تكثرها من العدد بمثل واحد ، فهم يرونهم مثليهم ، فيكون أحد المثلين عند ذلك ، العدد الذي هو مثل عدد الفئة التي رأتهم ، والمثل الآخر : الضعف الزائد