يعني بقوله كدأبك : كشأنك وأمرك وفعلك ، يقال منه : هذا دأبي ودأبك أبدا ، يعني به . فعلي وفعلك وأمري وأمرك ، وشأني وشأنك ، يقال منه : دأبت دؤوبا ودأبا . وحكى عن العرب سماعا : دأبت دأبا مثقله محركه الهمزة ، كما قيل هذا شعر وبهر ، فتحرك ثانيه لأنه حرف من الحروف الستة ، فألحق الدأب إذ كان ثانيه من الحروف الستة ، كما قال . الشاعر :
له نعل لا يطبي الكلب ريحها * وإن وضعت بين المجالس شمت
وأما قوله
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
فإنه يعنى به : والله شديد عقابه لمن كفر به وكذب رسله بعد قيام الحجة عليه .
القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ
اختلفت القراء في ذلك فقرأه بعضهم :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ
بالتاء على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون . واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ
قالوا : ففي ذلك دليل على أن قوله :
سَتُغْلَبُونَ
كذلك الخطاب لهم وذلك هو قراءة عامه قراء الحجار والبصرة وبعض الكوفيين وقد يجوز لمن كانت نيته في هذه الآية أن الموعودين بأن يغلبوا هم الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم أن يقرأه بالياء والتاء ، لأن الخطاب الوحي حين نزل لغيرهم ، فيكون نظير قول القائل في الكلام :
قلت للقوم إنكم مغلوبون ، وقلت لهم إنهم مغلوبون . وقد ذكر أن في قراءة عبد الله : " قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم " وهي في قراءتنا :
إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ
وقرأت ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة : " سيغلبون ويحشرون " على معنى : قل لليهود سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلى جهنم . ومن قرأ ذلك كذلك على هذا التأويل لم يجز في قراءته غير الياء . والذي نختار من القراءة في ذلك قراءة من قرأه بالتاء ، بمعنى : قل يا محمد للذين كفروا من يهود بني إسرائيل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنزلته إليك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك على قراءته بالياء لدلالة قوله :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ
على أنهم بقوله ستغلبون مخاطبون خطابهم بقوله : قد كان لكم ، فكان إلحاق الخطاب بمثله من الخطاب أولى من الخطاب بخلافه من الخبر عن غائب . وأخرى أن : أبا كريب حدثنا ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر فقدم المدينة ، جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال : " يا معشر يهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا " ، فقالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك إنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال ، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وأنك لم تأت مثلنا فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ
إلى قوله :
لِأُولِي الْأَبْصارِ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال :
ثنا محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : لما أصاب الله قريشا يوم بدر ، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع حين قدم المدينة ، ثم ذكر نحو حديث أبي كريب ، عن يونس . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : كان من أمر بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع ، ثم قال : " يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة ، وأسلموا فإنكم