تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
على عددهم ، فهذا أحد معنيي التقليل الذي أخبر الله عز وجل المؤمنين أنه قللهم في أعينهم ، والمعنى الآخر منه : للدليل الثاني على ما قاله ابن مسعود ، وهو أن أراهم عدد المشركين مثل عددهم لا يزيدون عليهم ، فذلك التقليل الثاني الذي قال الله جل ثناؤه :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا
وقال آخرون من أهل هذه المقالة : إن الذين رأوا المشركين مثلي أنفسهم هم المسلمون ، غير أن المسلمين رأوهم على ما كانوا به من عددهم ، لم يقللوا في أعينهم ، ولكن الله أيدهم بنصره . قالوا : ولذلك قال الله عز وجل لليهود : قد كان لكم فيهم عبرة ؛ يخوفهم بذلك أن يحل بهم منهم ، مثل الذي حل بأهل بدر على أيديهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ
أنزلت في التخفيف يوم بدر ، فإن المؤمنين كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، وكان المشركون مثليهم ، فأنزل الله عز وحل :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
وكان المشركون ستة وعشرين وستمائة ، فأيد الله المؤمنين ، فكان هذا الذي التخفيف على المؤمنين . وهذه الرواية أنزلت في التخفيف يوم بدر خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن عدة المشركين يوم بدر ، وذلك أن الناس إنما اختلفوا في عددهم على وجهين ، فقال بعضهم : كان عددهم ألفا ، وقال بعضهم : ما بين التسعمائة إلى الألف . ذكر من قال كان عددهم ألفا : حدثني هارون بن إسحاق الهمداني ، قال : ثنا مصعب بن المقدام ، قال : ثنا إسرائيل ، قال : ثنا أبو إسحاق ، عن حارثة ، عن علي ، قال : سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ، فسبقنا المشركين إليها ، فوجدنا فيها رجلين ، منهم رجل من قريش ، ومولى لعقبة بن أبي معيط ؛ فأما القرشي فانفلت ، وأما مولى عقبه ، فأخذناه ، فجعلنا نقول : كم القوم ؟ فيقول : هم والله كثير شديد بأسهم . فجعل المسلمون إذا قال ذلك صدقوه ، حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : " كم القوم ؟ " فقال : هم والله كثير شديد بأسهم . فجهد النبي صلى الله عليه وسلم على أن يخبره كم هم ، فأبى . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله : " كم تنحرون من الجزر ؟ " قال : عشرة كل يوم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القوم ألف " . حدثني أبو سعيد بن يوشع البغدادي ، قال : ثنا إسحاق بن منصور ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة عن عبد الله ، قال : أسرنا رجلا منهم يعني من المشركين يوم بدر فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا . ذكر من قال : كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق : ثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفرا من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه ، فأصابوا راوية من قريش فيها اسلم غلام بني الحجاج ، وعريض أبو يسار غلام بني العاص ، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما : " كم القوم ؟ " قالا : كثير . قال : " ما عدتهم ؟ " قالا : لا ندري . قال : " كم تنحرون كل يوم ؟ " قالا : يوما تسعا ويوما عشرا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القوم ما بين التسعمائة إلى الألف " . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
ذلكم يوم بدر ألف المشركون ، أو قاربوا ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ
إلى قوله :
رَأْيَ الْعَيْنِ
قال : يضعفون عليهم فقتلوا منهم سبعين