تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وحيف عنه ، فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه ، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات ، باحتماله المعاني المختلفة إرادة اللبس على نفسه وعلى غيره ، احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه . وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك ، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله بدعة ، فمال قلبه إليها ، تأويلا منه لبعض متشابه آي القرآن ، ثم حاج به وجادل به أهل الحق ، وعدل عن الواضح من أدلة آية المحكمات إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين ، وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك كائنا من كان ، وأي أصناف البدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية ، أو كان سبئيا ، أو حروريا ، أو قدريا ، أو جهميا ، كالذي قال صلى الله عليه وسلم : " فإذا رأيتم الذين يجادلون به فهم الذين عنى الله فاحذروهم " . وكما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس ، عن ابن عباس : وذكر عنده الخوارج ، وما يلقون عند الفرار ، فقال : يؤمنون بمحكمه ، ويهلكون عند متشابهه . وقرأ ابن عباس :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
الآية . وإنما قلنا : القول الذي ذكرنا أنه أولى التأويلين بقوله :
ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ
لأن الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهل شرك ، وإنما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله اللبس على المسلمين والاحتجاج به عليهم ليصدوهم عما هم عليه من الحق ، فلا معنى لأن يقال : فعلوا ذلك إرادة الشرك ، وهم قد كانوا مشركين . القول في تأويل قوله تعالى :
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
اختلف أهل التأويل في معنى التأويل الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله :
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
فقال بعضهم معنى ذلك : الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء مدة أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر أمته من قبل الحروف المقطعة من حساب الجمل " ألم " ، و " المص " ، و " الر " ، و " المر " وما أشبه ذلك من الآجال . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : أما قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
يعني تأويله يوم القيامة إلا الله . وقال آخرون : بل معنى ذلك . عواقب القرآن . وقالوا : إنما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخ الأحكام التي كان الله جل ثناؤه شرعها لأهل الإسلام قبل مجيئه ، فنسخ ما قد كان شرعه قبل ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
أرادوا أن يعلموا تأويل القرآن ، وهو عواقبه ، قال الله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
، وتأويله عواقبه ، متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ . وقال آخرون : معنى ذلك : وابتغاء تأويل ما تشابه من آي القرآن يتأولونه إذ كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات على ما في قلوبهم من الزيغ ، وما ركبوه من الضلالة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
وذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم ، خلقنا وقضينا . والقول الذي قاله ابن عباس من أن ابتغاء التأويل الذي طلبه القوم من المتشابه هو معرفة انقضاء المدة ، ووقت قيام الساعة ، والذي ذكرنا عن السدي من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وقت هو جاء قبل مجيئه أولى بالصواب ، وإن كان السدي قد أغفل معنى ذلك من وجه صرفه إلى حصره على أن معناه : إن القوم طلبوا معرفة وقت مجيء الناسخ لما قد أحكم قبل ذلك . وإنما قلنا : إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاء قبل مجيئه المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم بمتشابه آي القرآن ، أولى بتأويل قوله :
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
لما قد دللنا عليه قبل من إخبار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويل لا يعلمه إلا الله ، ولا شك أن معنى قوله :