" قضينا " و " فعلنا " ، قد علم تأويله كثير من جهلة أهل الشرك ، فضلا عن أهل الإيمان وأهل الرسوخ في العلم منهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ . . .
مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
يعني جل ثناؤه بذلك : وما يعلم وقت قيام الساعة وانقضاء مدة أكل محمد وأمته وما هو كائن ، إلا الله ، دون من سواه من البشر الذين أملوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة . وأما الراسخون في العلم ، فيقولون : آمنا به كل من عند ربنا ، لا يعلمون ذلك ، ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم العلم بأن الله هو العالم بذلك دون من سواه من خلقه . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، وهل الراسخون معطوف على اسم الله ، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه ، أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بالمتشابه ، وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله ؟ فقال بعضهم : معنى ذلك : وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلمه . وأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون : آمنا بالمتشابه والمحكم ، وأن جميع ذلك من عند الله . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا خالد بن نزار ، عن نافع ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
قالت : كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه ، ولم يعلموا تأويله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس ، قال : كان ابن عباس يقول : يقولون
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
يقول الراسخون : آمنا به . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن أبي الزناد ، قال : قال هشام بن عروة : كان أبي يقول في هذه الآية :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله ، ولكنهم يقولون :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد الله ، عن أبي نهيك الأسدي قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
فيقول : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا . حدثنا المثنى ، قال : ثنا ابن دكين ، قال : ثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب ، قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول :
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
حدثني يونس ، قال : أخبرنا أشهب ، عن مالك في قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
قال : ثم ابتدأ فقال :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
وليس يعلمون تأويله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أنه قال : أنا ممن يعلم تأويله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يعلمون تأويله ويقولون آمنا به . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يعلمون تأويله ويقولون آمنا به . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يعلمون تأويله ويقولون آمنا به . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
الذي أراد ما أراد إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به . ثم ردوا تأويل المتشابهة على ما عرفوا