اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ
أي من خير
وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
أي من شر ، أو قال ، من سوء . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال ثنا أسباط عن السدي
لَها ما كَسَبَتْ
يقول : ما عملت من خير ،
وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
يقول :
وعليها ما عملت من شر . حدثت عن عمار ، قال : ثنا أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة ، مثله . حدثنا القاسم ، قال :
ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن الزهري ، عن عبد الله بن عباس :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
عمل اليد والرجل واللسان . فتأويل الآية إذا : لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها ، فلا يجهدها ، ولا يضيق عليها في أمر دينها ، فيؤاخذها بهمة إن همت ، ولا بوسوسة إن عرضت لها ، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها . القول في تأويل قوله تعالى :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
وهذا تعليم من الله عز وجل عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه ، وما يقولون في دعائهم إياه . ومعناه : قولوا : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئا فرضت علينا عمله فلم نعمله ، أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه ، على غير قصد منا إلى معصيتك ، ولكن على جهالة منا به وخطأ . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
إن نسينا شيئا مما افترضته علينا ، أو أخطأنا شيئا مما حرمته علينا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله عز وجل تجاوز لهذه الأَمة على نسيانها وما حدثت به أنفسها " . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، قال : زعم السدي أن هذه الآية حين نزلت :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
قال له جبريل صلى الله عليه وسلم فقل ذلك يا محمد . إن قال لنا قائل : وهل يحوز أن يؤاخذ الله عز وجل عباده بما نسوا أو أخطئوا فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك ؟ قيل : إن النسيان على وجهين : أحدهما : على وجه التضرع من العبد والتفريط ؛ والآخر : على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ ، ووكل به وضعف عقله عن احتماله ، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط ، فهو ترك منه لما أمر بفعله ، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به ، وهو النسيان الذي عاقب الله عز وجل به آدم صلوات الله عليه ، فأخرجه من الجنة ، فقال في ذلك :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه :
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا
فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقوله :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله . على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا ، كفرا بالله عز وجل ، فإن ذلك إذا كان كفرا بالله فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة ، لأَن الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به ، فمسألته فعل ما قد أهلمهم أنه لا يفعله خطأ ، وإنما يكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه ، وعن قراءته ، ومثل نسيانه صلاة أو صياما ، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما . وأما الذي العبد به غير مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه ، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته ، فإن ذلك من العبد غير معصية ، وهو به غير آثم ، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له ، لأَنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب ، وذلك مثل الأَمر يغلب عليه ، وهو حريص على تذكره وحفظه ، كالرجل يحرص على حفظ القرآن بجد منه ، فيقرؤه ، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه ، ولكن بعجز بنيته عن حفظه وقلة احتمال عقله ، ذكر ما أودع قلبه منه ، وما أشبه ذلك من النسيان ، فإن ذلك مما لا يجوز مسألة الرب مغفرته ، لأَنه لا ذنب للعبد فيه ، فيغفر له باكتسابه . وكذلك للخطأ وجهان :