يقول : " يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه ، فيقول : هل تعرف كذا ؟ فيقول : رب اغفر مرتين ، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم " ، قال : " فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه . وأما الكفار والمنافقون ، فينادي بهم على رؤوس الأَشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة الله على الظالمين " . إن الله يفعل بعبده المؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتى يعرفه تفضله عليه بعفوه له عنها ، فكذلك فعله تعالى ذكره في محاسبته إياه بما أبداه من نفسه ، وبما أخفاه من ذلك ، ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرمه عليه ، فيستره عليه ، وذلك هو المغفرة التي وعد الله عباده المؤمنين ، فقال : يغفر لمن يشاء . فإن قال قائل : فإن قوله :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب ، ولا مثابين إلا بما كسبته من خير . قيل : إن ذلك كذلك ، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله ، أو ترك ما أمر بفعله . فإن قال : فإذا كان ذلك كذلك ، فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله :
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
إن كان
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا ، من هم بذنب ، أو إرادة لمعصية ، لم تكتسبه جوارحنا ؟ قيل له : إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفوا لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله ، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها ، وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله :
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله ، والمرية في وحدانيته ، أو في نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند الله ، أو في المعاد والبعث من المنافقين ، على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد ، ومن قال بمثل قولهما أن تأويل قوله :
أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
على الشك واليقين . غير أنا نقول إن المتوعد بقوله :
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله ، وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا ، والموعود الغفران بقوله :
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
هو الذي أخفى ، وما يخفيه الهمة بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأَمور التي كان جائزا ابتداء تحليله وإباحته ، فحرمه على خلقه جل ثناؤه ، أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله مما كان جائزا ابتداء إباحة تركه ، فأوجب فعله على خلقه . فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين إذا هو لم يصحح همه بما يهم به ، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بالتقدم عليه لم يكن مأخوذا ، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه " ، فهذا الذي وصفنا ، هو الذي يحاسب الله به مؤمني عباده ثم لا يعاقبهم عليه . فأما من كان ما أخفته نفسه شكا في الله وارتيابا في نبوة أنبيائه ، فذلك هو الهالك المخلد في النار ، الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الأَليم بقوله :
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
فتأويل الآية إذا :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ
أيها الناس ، فتظهروه
أَوْ تُخْفُوهُ
فتنطوي عليه نفوسكم ،
يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فيعرف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه ، ومغفرته له ، فيغفره له ، ويعذب منافقكم على الشك الذي انطوت عليه نفسه في وحدانية خالقه ونبوة أنبيائه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يعني بذلك جل ثناؤه : والله عز وجل على العفو عما أخفته نفس هذا المؤمن من الهمة بالخطيئة ، وعلى عقاب هذا الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد الله عز وجل ، ونبوة أنبيائه ، ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه ، وعلى غير ذلك من الأَمور قادر . القول في تأويل قوله تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
يعني بذلك جل ثناؤه : صدق الرسول ، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقر
بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ
يعني بما أوحي إليه من ربه من الكتاب ، وما