تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
بشاذ من القراءة على ما جاءت به الحجة نقلا ورواية . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
يعني بذلك جل ثناؤه : وقال الكل من المؤمنين :
سَمِعْنا
قول ربنا ، وأمره إيانا بما أمرنا به ، ونهيه عما نهانا عنه ،
وَأَطَعْنا
يعني أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه ، واستبعدنا به من طاعته ، وسلمنا له . وقوله :
غُفْرانَكَ رَبَّنا
يعني : وقالوا غفرانك ربنا ، بمعنى : اغفر لنا ، ربنا غفرانك ، كما يقال : سبحانك ، بمعنى نسبحك سبحانك . وقد بينا فيما مضى أن الغفران والمغفرة : الستر من الله على ذنوب من غفر له ، وصفحة له عن هتك ستره بها في الدنيا والآخرة ، وعفوه عن العقوبة عليه . وأما قوله :
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
فإنه يعني جل ثناؤه أنهم قالوا : وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا فاغفر لنا ذنوبنا . فإن قال لنا قائل : فما الذي نصب قوله :
غُفْرانَكَ
؟ قيل له : وقوعه وهو مصدر موقع الأَمر ، وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأَسماء إذا حلت محل الأَمر ، وأدت عن معنى الأَمر نصبتها ، فيقولون : شكرا لله يا فلان ، وحمدا له ، بمعنى : أشكر الله وأحمده ، والصلاة الصلاة : بمعنى صلوا . ويقولون في الأَسماء : الله الله يا قوم . ولو رفع بمعنى هو الله ، أو هذا الله ووجه إلى الخبر وفيه تأويل الآمر كان جائزا ، كما قال الشاعر :
إن قوما منهم عمير وأشبا * ه عمير ومنهم السفاح
لجديرون بالوفاء إذاقا * ل أخو النجدة السلاح السلاح
ولو كان قوله :
غُفْرانَكَ رَبَّنا
جاء رفعا في القراءة لم يكن خطأ ، بل كان صوابا على ما وصفنا . وقد ذكر أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناء من الله عليه وعلى أمته ، قال له جبريل صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل قد أحسن عليك وعلى أمتك الثناء ، فسل ربك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن بيان ، عن حكيم بن جابر ، قال : لما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
قال جبريل : إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك ، وعلى أمتك ، فسل تعطه فسأل :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
إلى آخر السورة . القول في تأويل قوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
يعني بذلك جل ثناؤه :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
فيتعبدها إلا بما يسعها ، فلا يضيق عليها ، ولا يجهدها . وقد بينا فيما مضى قبل أن الوسع اسم من قول القائل : وسعني هذا الأَمر مثل الجهد والوجد من جهدني هذا الأَمر ووجدت منه . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال ثني معاومة عن علي ، عن ابن عباس قوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
قال : هم المؤمنون . وسع الله عليهم أمر دينهم ، فقال الله جل ثناؤه :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
وقال :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وقال :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن الزهري ، عن عبد الله بن عباس ، قال : لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة وقالوا : يا رسول الله هذا ، نتوب من عمل اليد والرجل واللسان ، كيف نتوب من الوسوسة ، كيف نمتنع منها ؟ فجاء جبريل بهذه الآية .
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
وسعها ، طاقتها ، وكان حديث النفس مما لا يطيقون . القول في تأويل قوله تعالى :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
يعني بقوله جل ثناؤه لها : للنفس التي أخبر أنه لا يكلفها إلا وسعها ، يقوله : لكل نفس ما اجترحت وعملت من خير ؛ وعليها : يعني وعلى كل نفس ما اكتسبت : ما عملت من شر . كما : حدثنا بشر بن يزيد ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
لا يُكَلِّفُ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 102 | محمد بن جرير الطبري