فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
وهو قوله :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
من الشك والنفاق . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أبو جعفر ، عن ابن عباس :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فذلك سر عملكم وعلانيته ، يحاسبكم به الله ، فليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا ليعمل به ، فإن عمل به كتبت له به عشر حسنات ، وإن هو لم يقدر له أن يعمل به كتبت له به حسنة من أجل أنه مؤمن ، والله يرضى سر المؤمنين وعلانيتهم ، وإن كان سوءا حدث به نفسه اطلع الله عليه وأخبره به يوم تبلى السرائر ، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به ، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه ، كما قال :
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ
حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
الآية . قال : قال ابن عباس : إن الله يقول يوم القيامة : إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها ، فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم ، فأغفر لمن شئت ، وأعذب من شئت . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا علي بن عاصم ، قال : أخبرنا بيان ، عن بشر ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : إذا كان يوم القيامة ، قال الله عز وجل يسمع الخلائق : إنما كان كتابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم ، فأما ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه ، ولا يعلمونه ، أنا الله أعلم بذلك كله منكم ، فأغفر لمن شئت ، وأعذب من شئت . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
كان ابن عباس يقول : إذا دعي الناس للحساب ، أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم مما لم يعملوه ، فيقول : إنه كان لا يعزب عني شيء ، وإني مخبركم بما كنتم تسرون من السوء ، ولم تكن حفظتكم عليكم مطلعين عليه . فهذه المحاسبة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، نحوه . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
قال : هي محكمة لم ينسخها شيء ، يقول : يحاسبكم به الله ، يقول : يعرفه الله يوم القيامة أنك أخفيت في صدرك كذا وكذا لا يؤاخذه .
حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن ، قال : هي محكمة لم تنسخ . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
قال : من الشك واليقين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
يقول : في اليقين والشك . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . فتأويل هذه الآية على قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ
من شيء من الأَعمال ، فتظهروه بأبدانكم وجوارحكم ، أو تخفوه فتسروه في أنفسكم ، فلم يطلع عليه أحد من خلقي ، أحاسبكم به ، فأغفر كل ذلك لأَهل الإِيمان ، وأعذب أهل الشرك والنفاق في ديني . وأما على الرواية التي رواها عنه الضحاك من رواية عبيد بن سليمان عنه ، وعلى ما قاله الربيع بن أنس ، فإن تأويلها : إن تظهروا ما في أنفسكم فتعملوه من المعاصي ، أو تضمروا إرادته في أنفسكم ، فتخفوه ، يعلمكم به الله يوم القيامة ، فيغفر لمن يشاء ، ويعذب من يشاء . وأما قول مجاهد فشبيه معناه بمعنى قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة . وقال آخرون ممن قال :
" هذه الآية محكمة وهي غير منسوخة " ووافقوا الذين قالوا : " معنى ذلك أن الله عز وجل أعلم عباده ما هو فاعل بهم فيما أبدوا وأخفوا من أعمالهم " معناها : أن الله محاسب جميع خلقه بجميع ما أبدوا من سيئ أعمالهم ،