تكن متكفّلة لشرائع ، فأول شريعة وكتاب مشتمل عليها هو شريعة نوح وكتابه لكنّه بعيد ، ولعلّ الأحسن أن يقال : إنّ لمن قبله وإن كانت شريعة مختصرة ، لكنّها غير ناسخة ، وإنّه لا شرع قبلها بمعنى أنّ آدم ومن بعده من الأنبياء إلى نوح كانوا على شريعة واحدة ، وشريعة أولي العزم لا بدّ من كونها ناسخة لما قبلها ، وهنا جواب آخر ستعرفه فيما بعد .
وأمّا السؤال الثاني فهو عسير جداً ، والذي يسعني عاجلًا في الجواب أنّ معنى النسخ ليس هو إزالة الشريعة السابقة عن جميع أرجاء العالم ، بل عمّا شرّعت الشريعة اللاحقة لأهله ، وحيث إنّ شريعة عيسى ( ع ) لم تكن عامّة لجميع الإنس والجن فلا تكون ناسخة لشريعة إبراهيم ( ع ) بالكلّية ، بل نسختها عن أرض بني إسرائيل التي بعث إليها عيسى بن مريم سلام الله عليهما فكان شريعة إبراهيم باقية في أولاد إسماعيل ( ع ) وعليه فلا بدّ من التصرّف في عموم الروايتين المتقدّمتين الدالّتين على متابعة كلّ نبي جاء بعد صاحب عزم له ، جمعاً بينهما وما دلّ على تديّن عبد المطلب وغيره من أولاد إسماعيل ( ع ) بشريعة إبراهيم ( ع ) « 1 » ، فافهم المقال واتقن المقام .
ثم إنّه يمكن أن يقال : إنّ معنى منصب العزم هو شدّة عزم أربابه على الصبر على الأذى والتكذيب وعلى ما عهد إليهم ربّهم ، وسبقهم على غيرهم إلى الإقرار والاعتقاد بكلّ ما أراد الله الاعتقاد والإقرار به ، ويكونون ذوي شرائع مستقلّة ناسخة لشرائع من تقدمهم على نحو عرفته آنفاً . وعليه فيجمع بين الوجوه المتقدمة في معنى أولي العزم سوى الوجه الأول ، فإنّه غير سليم عن المعارض كما عرفت .
وممّا يؤيد ما ذكرنا قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
« 2 » بل قوله تعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
« 3 » فاغتنم .
الفصل الثالث : الاقتصار على ما جاء به شرعنا في معرفة الأنبياء
لا طريق لنا من غير أخبار شرعنا إلى معرفة اشخاص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -
هامش
( 1 ) - وضعف الروايات الدالّة عليه ، منجرة ، بما هو مفهوم قويت من الخارج ( من مجموع الآثار ) أن دين إبراهيم هو النافذ في مكة بين بني هاشم ، بل يمكن استينأس ذلك من مجموع الآيات القرآنية فراجع سورة البقرة ( 130 و 135 ) وآل عمران ( 95 ) والنساء ( 125 ) والنحل ( 123 ) والحج ( 78 ) فتدبّر جيداً . والله العالم .
( 2 ) - الأحزاب 33 / 7 .
( 3 ) - الأحقاف 46 / 35 .