الأوّل : أنّ تلك الأمور لا يعلمها على اليقين والخصوص إلّا الله تعالى ، فإنّهم إذا أخبروا بموت شخص في اليوم الفلاني فيمكن أن لا يعلموا خصوص الدقيقة التي تفارق الروح الجسد فيها مثلًا ، ويحتمل أن يكون ملك الموت أيضاً لا يعلم ذلك .
الثاني : أن يكون العلم الحتمي بها مختصّاً به تعالى ، وكلّما أخبر الله به من ذلك كان محتملًا للبداء .
الثالث : أن يكون المراد عدم علم غيره بها إلّا من قبله فيكون كسائر الغيوب ويكون التخصيص بها لظهور الأمر فيها .
الرابع : ما أو مأنا إليه سابقاً ، وهو أنّ الله لم يطلع على تلك الأمور كلّيّة أحداً من الخلق على وجه لا بداء فيه ، بل يرسل عليهما على وجه التحتّم في زمان قريب من حصولها كليلة القدر ، أو أقرب من هذا ، وهذا وجه قريب تدلّ عليه أخبار كثيرة ؛ إذ لا بدّ من علم ملك الموت بخصوص الوقت كما ورد في الأخبار ، وكذا ملائكة السحاب والمطر بوقت نزول المطر ، وكذا المدبّرات من الملائكة بأوقات وقوع الحوادث . انتهى كلامه .
أقول : بعد ما عرفت عدم الحصر في الآية وعدم تقدير العلم في بعضها وعدم العموم في بعضها الآخر تعلم أنّ ما أفاده لا مقتضي ولا موجب له نهائيّاً .
3 - قال شيخنا المفيد ( قدس سره ) « 1 » : إنّ الأئمة من آل محمّد ( ص ) قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد « 2 » ويعرفون ما يكون قبل كونه ، وليس ذلك بواجب في صفاتهم ، . . . ولكنّه وجب لهم من جهة السماع فأمّا إطلاق القول عليهم بأنّهم يعلمون الغيب فهو منكر بيّن الفساد ؛ لأنّ الوصف بذلك إنّما يستحقّه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد ، وهذا لا يكون إلّا الله عزّ وجلّ وعلى قولي هذا جماعة من أهل الإمامة ، إلّا من شذّ عنهم من المفوضة ومن انتمى إليهم من الغلاة . انتهى كلامه .
وأضرب أمين الاسلام الطبرسي في مجمعه « 3 » حيث قال في ردّ بعض المشايخ الظالمين من الشيعة غير الإمامية : ولا نعلم أحداً منهم - أي الإماميّة - استجار الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق ، وإنّما يستحقّ الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد .
هامش
( 1 ) - أوائل المقالات / 38 .
( 2 ) - يريد به ( ظاهراً ) أنّهم يعلمون ضمائر كلّ من يريدون من العباد وليس مراده ( رحمه الله ) البعض المعيّن ، وإنّما يشير إلى أنّ علمهم ليس فعليّاً مطلقاً ، بل إرادي أو ملكي في الجملة كما تقدّم بحثه مفصّلًا وعليك بمراجعة النوع الخامس عشر المتقدّم بيانه .
( 3 ) - مجمع البيان 1 / 554 ، سورة هود .