فكل مستفيض استفاد من أحد شيئاً فقد استفاض من الله تعالى ؛ لأنه مسبّب الأسباب ، وأنّه خالق كل شيء ، وأنّه المؤلّف بين القلوب
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ،
فحصول الدواعي المترتبة عليها العبادة لا يمكن إلا من الله وله ، فإنّه القادر العالم بكلّ شيء والكلّ من عنده ، فلا دافع ولا معطي إلا هو ، وهو المستجمع لجميع صفات الكمال ، فلا استعظام إلا له ، وهو الباقي الأبدي المؤثر فلا يهم إلا تحصيل رضائه ، فالحمد والشكر والخضوع والحاجة والمدد كلها له وإليه ومنه ، وما بكم من نعمة فمن الله ، و
إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
فإياك نعبد وإيّاك نستعين .
ومما يدل على انحصار مطلق الخضوع به تعالى بالنظر الدقي : أنّ كل منعم إنّما ينعم على غيره بداعٍ راجع إلى نفسه أولًا من تحصيل شوكة ، أو نفوذ كلمة ، أو تسكين عاطفة ، ولا أقلّ من إرضاء الله سبحانه واستحقاقه ثوابه الأخروي أو فضله الدنيوي
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
« 1 » . وأمّا إنعام الله سبحانه على عباده فليس لغرض عائد إليه أصلًا ، كما يأتي بحثه في المقصد الخامس إن شاء الله . وأيضاً كل إحسان وعمل من كلّ أحد لا يكون خالياً عن نقص ما ؛ لعدم إحاطة المحسن بجميع الجهات الواقعية ، بخلاف إحسان الحكيم فإنّه على وفق الحكمة والمصلحة ،
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 2 » ، فهو أحقّ بالخضوع والعبادة ، وغيره مستأهل له عرضاً .
الفائدة الرابعة : الذي يجب على المسلم ويشترط في صحة إسلامه هو أن يعتقد بوحدانية الله تعالى ، وأنبه لا شريك له في الخلق ، واستحقاق العبادة ، ولا يجب الاعتقاد باستحالة الشركة وامتناع الشريك ؛ لعدم دليل عليه عقلًا وشرعاً ، ومن هنا يمكن أن يقال : إنّ الخبر المقدّر في كلمة « التوحيد » هو لفظ موجود ، وما أورد عليه من عدم دلالته على نفي إمكان إله آخر غير وارد ، فإنّ الاعتقاد به غير لازم وإن كان حقاً في الواقع .
ثم إنّ الشرك في كلّ من الواجبية والصانعية والعبادة يستلزم الشرك في الآخر . نعم ، الشرك في الواجبية لا يستلزم الشرك في الصانعية ، وأمّا العكس فاللزوم ثابت ، كما لا يخفى على المتأمل فتأمل .
ثم إنّ الاعتقاد بالشركة في كل هذه المقامات الثلاثة وإن يوجب خروج الشخص عن الإسلام لكنّه من جهة دلالة الشرع دون العقل ، كما هو واضح .
تنبيه : وأمّا التوحيد في الرزق فسيأتي في المقصد الخامس إن شاء الله .
هامش
( 1 ) - الإسراء 17 / 7 .
( 2 ) - الإسراء 17 / 84 .