وبالجملة : لو تمّ هذا الشكّ لارتفع الأمان عن الأحكام العقلية رأساً .
وأما ما يقال من أنّ هذا الأمر لو كان ضرورياً لم يقع فيه اختلاف من العقلاء ، ففيه ما مرّ في أول هذا الكتاب ، من أنّ الضروري لا ينافي اختلاف الناس فيه ، وإلا لم يبق ضروري لنا .
2 - أنّه تعالى ليس بجسم فضلًا عن جسم كثيفٍ فلا يرى ، وإلا للزم رؤية العلم والشجاعة والحياء وطعوم الأطعمة ، بل والأمور الواقعية : كاستحالة المستحيلات ، وإمكان الممكنات والاستعدادات ، وملازمة الزوجية للأربعة ونحو ذلك ، ولا يظن بعاقل أن يلتزم بها ، فيكون بطلان التالي دليلًا على فساد المقدّم .
3 - لو كان الواجب مرئياً لكان له ضياء ، ولكنّه لا ضياء له ؛ لاستحالة كونه محلّاً للحوادث ، فلا يمكن رؤيته . وأمّا بناءً على أنّ الرؤية بخروج الشعاع من المرئي إلى الرائي فالاستحالة أظهر ؛ إذ لا يتولّد منه تعالى شيء .
4 - لو يرى فإمّا أن يرى كلّه ، وإمّا أن يرى بعضه بالضرورة ، لكنّ الأول يوجب تحديده وتناهيه ، وهذا محال عقلًا ونقلًا واتقاقاً ، ويلزم أيضاً منه خلو سائر الأمكنة عنه . والثاني فاسد ، ضرورة ، للزوم التركّب من التبعّض فينقلب من الوجوب إلى الإمكان .
5 - كلّ مرئي مشار إليه بالضرورة ، والواجب القديم ليس بمشار إليه عقلًا ، والا لزم تحيزه واتفاقاً ممن نبحث معه في المقام .
6 - لو كان مرئياً لأحد لكان معلوماً له ، لكنه ممتنع المعلومية لغيره عقلًا ونقلًا واتفاقاً ، بيان الملازمة : أنّ المرئي أولًا وبالذات - في الأجسام - هو الأعراض ، وحيث إنّه لا عوارض للواجب القديم باتفاق الطرفين فيكون المرئي ذاته ، وهذا معنى أنّ رؤيته مستلزمة لإدراك ذاته فتكون ممتنعة .
وعلي الجملة : الرؤية المربوطة بالواجب بمعنى العلم ، سواء كانت منه أم عليه ، فإذا قيل : إنّ الله يرى يعنى به أنّه يعلم . وإذا قيل : إنّه يرى - بضم الياء وكذا في ما بعده - يعنى به أنّه يعلم ، فافهم .
فهذه أدلة قويمة قوية قطعية على استحالة رؤيته تعالى .
وأما الدلائل النقلية والآيات القرآنية على ذلك ، فإليك بيانها :
7 - قوله تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
« 1 » كذا كلّ ما دلّ على أنّه لا يعلم بالتقريب المتقدم .
8 - قوله تعالى :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ
هامش
( 1 ) - طه 10 / 110 .