9 - أن يكون المرئي مضيئاً أو مستضيئاً ، أي كونه ذا ضياء بنفسه أو من غيره ؛ وذلك لأنّ الجسم الملون لا يشاهد في الظلمة ، بل إنّ اللون - وهو مبصر بالذات - لا يري إلّا بالضوء فكيف حال غيره ؟ بل ذهب ابن سينا وغيره من مشاهير الحكماء « 1 » إلى أنّ الضوء شرط لوجود اللون ، لا لظهوره فقط ، فالمرئي لا بد أن يكون ذا ضوء .
لا يقال : إنّه قد يكون مانعاً من الرؤية كما في رؤية جرم الشمس فإنّها لا ترى لأجل ضوئها .
فإنّه يقال : الذي جعلناه شرطاً هو حدّ مخصوص منه ، والمانع هو المرتبة الشديدة منه .
10 - توسّط الشفّاف بين الرائي والمرئي كما قيل ، وقيل : إنّه غير عدم الحجاب ، وأسقطه بعضهم مع الرابع والسابع . وقيل برجوع الأخير إلى عدم الحجاب . لكنّ إسقاط الرابع والسابع لا وجه له .
وعند تحقق هذه الشرائط تقع الرؤية بالضرورة البتية ، فهو علّة تامة لها قطعاً ، وما تخيّله الأشعري من أنّ توقفها على الأمور المذكورة إنّما هو بحسب العادة دون العلّية الواقعية فيمكن تحققها مع فرض عدم الرؤية ، سفسطة واضحة لا يجوز صرف الوقت في ردّها أبداً ، فمهما وجدت هذه الأمور فقد امتنع عدم الرؤية بالضرورة ، والضروريات مما لا يمكن أن تتعلق بها القدرة ولو كانت أزلية .
نعم ، للقادر القديم أن يمنع من تحقيق العلّة بتمامها أو بعض أجزائها فيمتنع المعلول « 2 » ، وأمّا منع المعلول مع وجود علّته التامة فهو ممّا لا يمكن القول به من العاقل ، فإنّه بمنزلة منع أنّ ضرب الخمسة بنفسها ينتج خمسةً وعشرين !
ولعلّك تقول : فكيف نرى الشيء الكبير من البعيد صغيراً ؟ وما ذلك إلا لعدم رؤيتنا جميع أجزائه مع تساويها في حصول الشرائط المذكورة ، فقد ثبت جواز تخلف الرؤية عن تلك الشرائط .
لكن يمكن أن نجيبك بأنّ التفاوت من جهة القرب والبعد ، فنرى القريب منها دون البعيد ، ويتحقق هذا التفاوت بخروج خطوط ثلاثة من الحدقة إلى المرئي ، أحدها عمود والباقيان ضلعا مثلث قاعدته المرئي ، فالعمود أقصر لأنّه يوتر الحادّة ، والضلعان أطول لأنّهما يوتران القائمة .
هامش
( 1 ) - لاحظ الشوارق وغيرها .
( 2 ) - ومنه قوله تعالى :وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً( الإسراء 17 / 45 ) .