لكنّ هذا الجواب ضعيف جداً « 1 » . وحكى عن المحقّق الطوسي « 2 » وغيره : أنّه لا يلزم من رؤيتنا جميع أجزائه أن نراه كبيراً ، وإنّما يلزم ذلك لو كان صغر المرئي وكبره بحسب رؤية الأجزاء وعدمها ، وليس كذلك ، بل صغر المرئي وكبره بحسب صغر الزاوية الجليدية وكبرها على ما بيّن في علم المناظرة ، يعني أنّ هذه الزواية كانت أو سع إذا كان المرئي أقرب من الحدقة وأضيق إذا كان المرئي أبعد منها .
أقول : وأورد عليه صاحب المواقف باعتراض مبنيّ على تركب الجسم من الأجزاء التي لا تتجزّأ ، وحيث إنّها باطلة بالضرورة كما أشرنا إليها في المقصد الأول أهملنا بيانه ، مع ضعفه من غير هذه الجهة أيضاً . « 3 »
فتحصّل : أنّ اجتماع هذه الأمور بأسرها علة تامة للرؤية ، ولا يعقل التخلّف أبداً . كما أن انتفاءها بأسرها يوجب انتفاء الرؤية بعين الملاك ، وأمّا انتفاء بعضها فلا يستلزم انتفاءها مطلقا ، بل فيه تفصيل ، فإنّ ارتقاع الشرط الأول والخامس والتاسع مثلًا يوجب امتناع الرؤية ، وانتفاء الثاني والسادس والسابع لا يوجب إلا نفيها عادةً .
وبالجملة : الشرط إن كان عقلياً فعدمه يوجب استحالة الرؤية عقلًا ، وإن عادياً فبنفيه تمتنع الرؤية عادةً ، وهذا واضح للعقلاء .
إذا تقرر ذلك فاعلم : أنّ الواجب القديم المنزّه عن الجسم ولوازمه لا يمكن أن يرى ، كما عليه الإمامية والمعتزلة والحكماء ، والدليل عليه من وجوه :
1 - أنّ كل مرئي لا بدّ أن يكون مقابلًا بالضرورة البتّية العقلية ، وكلّ مقابل فهو في جهة بالضرورة ، فلو كان الله مرئياً لكان متحيزاً في جهة ، وسيأتي أنّ تحيّزه في الجهة محال عقلًا ، ومتفق عليه بيننا وبين من نريد إرشاده أيضاً ، فتكون رؤيته أيضاً محالًا .
لا يقال : الكلّية القائلة بأنّ كلّ مرئي لا بد أن يكون مقابلًا ، لا تزيد وضوحاً على الكلّية القائلة بأن كلّ موجود يجب أن يكون في جهة ، فكما أنّ الثانية وهمية لا يعتنى بها ، فكذلك الأولى فلتكن عاديةً لا عقلية .
قلت : بينهما بون بعيد واختلاف شديد ، فإنّ الثانية وهمية كاذبة يفنّدها العقل في حلقه ، بخلاف الأولى فإنّها ثابتة قطعية عنده .
هامش
( 1 ) - وبيان ضعفه : أنّا نفرض هذا التفاوت الذي ذكر في هذه الخطوط ذراعاً ، فلو كان عدم رؤية الطرفين لأجل البعد ، فإذا فرض أنّه بعد المرئي بقدر ذلك البعد الذي لطرفيه وجب أن لا يرى أصلًا مع أنّه يرى حسّاً .
( 2 ) - شرح القوشجي / 370 .
( 3 ) - لاحظ حواشي شرح القوشجي على التجريد / 370 .