فإذا تحقّق ذلك فاعلم أن جميع أفعاله تعالى قائمة به قياما صدوريا ، كما أن صفاته الذاتية قائمة به قياما ذاتيا كما مر ، فالتكلّم كنظائره من الأفعال صادر عنه وقائم به قياما صدوريا ، ويحلّ في جسم من الأجسام لا فيه تعالى ، بل الصحيح أن قيام مبدأ التكلّم بالمتكلّم الممكن أيضا قيام صدوري ، وفرقه عن الواجب بالجارحة المخصوصة لا يرتبط بما هو محل البحث ، فإن صدور الكلام عن العضو المذكور غير معتبر في مفهوم التكلّم أصلا ، كعدم اعتبار جهل المتكلّم أو فقره أو سيادته أو علمه أو غير ذلك من الخصوصيات ، بل معناه هو إيجاد الكلام كما دريت .
وأنت من عقائد الحنابلة والكرامية في الكلام اللفظي ، ومن أوهام الأشعرية في الكلام النفسي الآتي وغيره من المسائل الأصولية ، تعلم قيمة قول نبيك الإكرام صلّى اللّه عليه واله :
« مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق »
والهداية من اللّه تعالى .
المقام الثاني : في الكلام النفسي
فقد تحصّل أن كلامه هو الحروف المسموعة ، وتكلّمه إيجادها مثل كلامنا وتكلمنا ، وهذا هو مذهب الإمامية ووافقهم عليه المعتزلة . وأما الأشاعرة فلا أدري أنهم يتبعوننا في ذلك بأسرهم أم لا ؟ غير أن المصرّح به في كلام جماعة منهم « 1 » هو الأول وقبول أن كلامه اللفظي حادث غير قائم به ، الا أنهم اثبتوا معنى آخر للكلام ؛ وسموه بالكلام النفسي « 2 » .
أقول : الكلام تارة في تصوّره ، وأخرى في تصديقه ، فللبحث جهتان :
أما الجهة الأولى :
فقد قال جمع من أعلامنا : إنه غير معقول في نفسه لكن الأشعرية أصرت على تصويره ففي المواقف وشرحها « 3 » : وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ ، ونقول هو الكلام حقيقة ، وهو قديم قائم بذاته تعالى ، ونزعم أنه غير العبارات ؛ إذ تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام ولا يختلف ذلك المعنى النفسي ، بل يدلّ عليه بالإشارة والكتابة كما يدلّ
هامش
( 1 ) لاحظ شرح المواقف وحواشيه وشرح القوشجي وكلام ابن روزبهان .
( 2 ) قال الأحسائي في شرح المشاعر : إن هذا قول الأشعري ومتابعيه تبعا لمحمد بن عبد الوهاب القطان .
أقول : وعن بعض العامّة نقلا عن بعض العلماء أنه ما تلفّظ بالكلام النفسي أحد إلّا في أثناء المئة الثالثة ، ولم يكن قبل ذلك في لسان أحد . لاحظ إحقاق الحق 1 / 222 .
وفحاشيته لبعض المتتبعين : قيل : إن أول من تفوّه به أبو محمد عبد اللّه المتكلّم البغدادي من أهل القرن الثالث .
( 3 ) شرح المواقف 3 / 77 .