عليه بالعبارة ، والطلب الذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغيّر مع تغيّر العبارات ، وغير المتغير غير المتغير ، وهو غير العلم ؛ إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه ؛ وغير الإرادة ؛ لأنه قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر . وأما قدمه فلامتناع حلول الحوادث في الواجب . . . وهو واحد « 1 » وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلق ، فذلك الكلام الواحد باعتبار تعلّقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبرا ، وباعتبار تعلّقه بشيء آخر . . . يكون أمرا ، وكذا الحال في البواقي . وقيل : كلامه خمسة . وقال ابن سعيد من الأشاعرة : هو في الأزل واحد وليس متّصفا بشيء من تلك الخمسة ، وإنّما يصير فيما لا يزال .
أقول : كلّ ذلك لا يرجع إلى معنى معقول :
أما أولا : فدعوى أنه الكلام حقيقة دعوى كاذبة فإنّ الكلام حقيقة هو الحروف المسموعة كما مر ؛ ولذا اعترف ابن روزبهان أن هذا المعنى ممّا لا يفهمه العرف .
وأما ثانيا : فلأنهم لم يعلموا الفرق بين التصوّر والتصديق ، وإلّا لم يدعوا تغايره مع العلم ، فإن الأخبار - ولو عن شيء مقطوع العدم - أمر اختياري لا بدّ له من تصوّر وعلم ، ولا مانع من أن يتصوّر المخبر ما يذعن بعدمه ثم يخبر عن وجوده ، فالعلم التصوري موجود . ولعمري إن أكثر ما قالوه في معناه لا يخرج عن معنى العلم أصلا ، فهذا المعنى هو الوجود الذهني ولو كان تصورا لا تصديقا .
وأما ثالثا : فكما أنه لا إرادة حقيقة في فرض الاختيار ، ولا طلب جديا أيضا ، بل الموجود هو الطلب الصوري وفيه تأمّل .
وأما رابعا : فلما ذكره بعض الأشاعرة « 2 » بأن قوله تعالى
أقيموا الصلاة
« 3 » مع قوله :
ولا تقربوا الزنى
« 4 » متباينان لفظا ومعنى تباين ، زيد مع عمر ، فالقول باتّحادهما في الأزل قول باتّحاد الآيتين ، وهو ضروري البطلان .
وأما خامسا : فلأجل أن الالتزام بكون الكلام النفسي المذكور مدلولا للكلام اللفظي التزام بأنه أمر ونهي وخبر واستفهام وتمن وترجّ وتعجّب وقسم ونداء ، فإن الكلام اللفظي ليس إلّا أحد هذه الأمور ، ومن البديهي عدم تعقل معنى آخر له وراء هذه المعاني ، فإذا صحّ ذلك فيلزمهم الالتزام بكذبه تعالى وسفهه تعالى اللّه عما يقول الظالمون الجاهلون علوا كبيرا ؛ وذلك لأنه أخبر
هامش
( 1 ) شرح المواقف 3 / 83 .
( 2 ) حاشية شرح المواقف 3 / 82 .
( 3 ) البقرة 2 / 110 .
( 4 ) الإسراء 17 / 32 .