بقوله :
إنا أرسلنا نوحا إلى قومه
« 1 » وهكذا أخبر عن وقوع جملة كثيرة من الأمور ، والحال أن وقوعها غير ثابت في الأزل .
والكلام النفسي عندهم قديم ، وأيضا أنه أمر بأمور ونهى عن أمور وحكى أشياء ، والحال أنه لا مكلّف ولا مخاطب في الأزل ، وقطعية بطلان التالي يكشف عن قطعية بطلان المقدّم .
وأما إنكار اتّصافه بهذه الأنواع في الأزل مع كونه مدلولا للفظ ، فهو عسير جدا ، كما اعترف به القوشجي ، بل هو غير معقول أصلا .
وأما سادسا : فلوقوع النسخ اتّفاقا ، وهو غير راجع إلى اللفظ فقط ، بل إلى المعنى قطعا ، فلو كان الكلام قديما لما وقع النسخ الذي هو بمعنى الدفع حقيقة ، والرفع صورة ؛ وذلك لما تسالم عليه الجميع من أن ما ثبت قدمه امتنع رفعه ، بل لزم أبديته وهذا ظاهر .
ثم إن صحّة هذه القاعدة المتسالم عليها بإطلاقها وإن كانت غير ثابتة عندي ، وقد تقدّم بحثها في البحوث الماضية ، إلا أنها في غير الأفعال الاختيارية مما لا شكّ فيه ، والكلام النفسي من الصفات دون الأفعال .
قاله القوشجي في تصوير هذا الكلام النفسي « 2 » .
أقول : المعنى النفسي الذي يدّعون أنه قائم بنفس المتكلم ومغاير للعلم في صورة الاخبار عمّا لا يعلمه ، هو إدراك مدلول الخبر ، اعني حصوله في الذهن مطلقا .
أقول : هل الإدراك المذكور إلّا العلم التصوّري فأين المغايرة ؟ ولعمري إن هذا غير خاف على المبتدئين . قال ابن روزبهان « 3 » في تصويره : ليراجع الشخص إلى نفسه إنه إذا أراد التكلّم بالكلام فهل يفهم من ذاته أنه يزور - يقوم ويحسن - ويرتّب معان فيعزم على التكلم بها . . . ويقول في نفسه : سأتكلّم بهذا . . . فهذا هو الكلام النفسي .
أقول : وبمثله أجاب عن لزوم السفه والكذب كما أوردناه في الإيراد الخامس ، ولكنه ما التفت إلى أن ما ذكره ليس إلّا تصوّر المعاني وتصوّر ترتيبها والتصديق بحسنه ، فيدخل في العلم الذي يتخيّل تغايره معه ، فلا دافع عن لزوم السفه والكذب أصلا .
وقيل : إنه ألفاظ متخيّلته .
أقول : وهذا أيضا راجع إلى التصوّر كما هو ظاهر مع أن هذه التلفيقات لا تتمّ إلا بقياس الغائب على الشاهد الباطل اتّفاقا .
هامش
( 1 ) نوح 71 / 1 .
( 2 ) شرح التجريد / 277 .
( 3 ) إحقاق الحق 1 / 204 .