حدوثه شخصا ونوعا .
وأيضا الحروف المسموعة من الموجودات الغير القارة ، ولا يمكن جمع حرفين منهما في آن واحد ، فلا بدّ من الترتّب بينهما ، ولا شكّ أن الحروف المسبوق المتأخّر عن السابق حادث ، فكذا السابق فإنه سابق عليه بزمان محدود ، والمتقدّم على الحادث بمقدار محدود حادث بالضرورة . كلّ ذلك واضح لا سترة عليه ، وقد نصّ عليه القرآن الكريم أيضا حيث قال :
ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث
« 1 » وقال :
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث
« 2 » .
ومع ذلك فالحنابلة - أتباع أحمد بن حنبل ، من أهل السنة - ادّعوا أن كلامه حرف وصوت يقومان بذاته تعالى ، وأنه قديم ، وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلا : الجلد والغلاف قديمان فضلا عن المصحف « 3 » . سبحانك عن هذه الضلالة العظيمة .
وأمّا الكراهية فهم وإن خالفوا هؤلاء في قدم الكلام وقالوا بحدوثه ، لكنّهم وافقوهم في قيامه بذاته تعالى لتجويزهم قيام الحوادث به « 4 » ، لكن سيأتي بطلان هذا التجويز وأن قيام الحوادث وحلولها به تعالى ممتنع عقلا .
ومن هنا اخترع الأشاعرة الكلام النفسي ليصحّ قيامه بذاته ولا يلزم منه ما ذكره الكرامية ، فكأن هؤلاء الأحزاب لم يصلوا إلى الحقّ أصلا ، ولم يفهموا أن الحروف لا تصير قديمة ، وأن الحادث لا يحلّ فيه تعالى ، وأن قيام الحادث به لا يستلزم الحلول حتى يحتاج إلى الاختراع الفاسد المذكور ، فإن قيام المبادئ بذويها على أنحاء شتى ، ونحن نذكرها هنا فإنه ينفعك في غير المقام أيضا ، فلا تقع في الغلط والضلالة كما وقع فيه أقوام ، فنقول وباللّه الاعتماد :
1 - القيام الحلولي ، مثل : مريض ، ميت ، جائع ، خائف ، شجاع ، عالم ، حليم ، طويل ، أسود ، قائم ، عاشق ، غضبان ، راض ، محبّ ، عدو . . . إلى غير ذلك من المبادئ التي تحلّ محالها ويسمى قيامها بالقيام الحلولي .
2 - القيام الانتزاعي : وهو ما ليس بإزاء المبدأ في الخارج شيء متأصّل ، ويعبّر عنه في بعض أفراده بالمحمول بالصميمة ، مثل : ممكن ، زوج ، مالك ، حر ، عبد ، مملوك ، أب ، ابن ، قريب ، بعيد ، واحد . . . إلى غير ذلك من المبادئ الاعتبارية التي لا تحقّق لها في الخارج أصلا ، وإنما
هامش
( 1 ) الأنبياء 21 / 2 .
( 2 ) الشعراء 26 / 5 .
( 3 ) شرح المواقف 3 / 76 وكذلك في غيره .
وفي الحاشية شرحها : نقل عن بعضهم أن الجسم الذي كتب به القرآن فانتظم حروفا ورقوما هو بعينه كلام اللّه ، وقد صار قديما بعد ما كان حادثا !
( 4 ) المصدر نفسه .