وفيه : أولا : منع وجوب اللطف وسيأتي بحثه .
وثانيا : أن إنزال الكتاب غير موقوف على التكلّم ، بل يمكن بنقش الحروف في اللوح ليطالعه الملك المبلغ إلى النبي أو الرسول ، بل اللطف غير موقوف على إنزال الكتاب أصلا ؛ لامكان إلهام اللّه نبيه في النوم أو اليقظة الأحكام والمعارف النافعة للناس ؛ ولذا لم يكن لكلّ نبي كتاب كما يأتي .
4 - إن اللّه قادر على كلّ ممكن ، فالتكلّم - بما أنه ممكن - مقدور ، والداعي والغرض من إيجاده متحقّق ، والصارف والمانع مفقود ، فوجب تحقّق التكلّم لاستحالة تخلف المعلول عن علّته . ذكره وسابقه في كفاية الموحّدين « 1 » .
أقول : تحقّق الداعي غير بين ولا بمبين ، ولعلّه أراد به انزال الكتب ، وقد عرفت ما فيه .
5 - إجماع الأنبياء وتواتر أخبارهم سلام اللّه عليهم بذلك . ذكره جمع . ولكنه محتاج إلى علم الغيب ؛ إذ لم يصل إلينا من نبي - غير خاتمهم صلّى اللّه عليه واله - أنه تعالى متكلّم ، وقد عرفت أن إنزال الكتب والوحي لا يدلّان على تكلّمه لاحتمال استنادهما إلى إيجاد الحروف المنقوشة دون المسموعة .
6 - إجماع المليين واتّفاق المسلمين .
7 - الكتاب والسنة ، فمن الأول قوله تعالى :
وكلم الله موسى تكليما
« 2 » وقوله :
وكلمه ربه
« 3 » وقوله تعالى :
يسمعون كلام الله
« 4 » إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قوله ؛ ومن الثاني ما سيجيء بعضه . وهذا الوجه هو العمدة في المقام ، فتحصل أن إثبات تكلّمه نقلي لا عقلي .
إذا تقرّر ذلك فاعلم أن ها هنا مقامات للبحث :
المقام الأول : في حدوثه
لا خفاء في أن كلامه حادث ، فإنه عبارة عن إيجاد الصوت القائم بالهواء المعدوم في الأزل بناء على حدوث العالم ، وأيضا قدمه يستلزم وجود المخاطب القديم صونا عن اللغوية ، والمسلّم بين المتكلّمين عدمه ، فيبطل قدم الكلام ولو بتوارد الأمثال ، ويثبت
هامش
( 1 ) المصدر نفسه / 328 .
( 2 ) النساء 5 / 164 .
( 3 ) الأعراف 6 / 143 .
( 4 ) البقرة 2 / 75 .