الطريق فاتي برجل من مزينة أو من جهينة فسأله فلم يوافقه فقال : ابغوني رجلا غيره فاتي برجل آخر إمّا من مزينة وإمّا من جهينة قال : فذكر له فاخذه معه حتى انتهي إلي العَقَبة ، فقال : من يصعدها حَطَّ اللَّه عنه كما حَطَ اللَّه عن بني إسرائيل ، فقال لهم :
« وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ »
قال : فَابْتَدَرها خيل الأنصار : الأوس والخزرج ، قال : وكانوا الْفاً وثمانمائة ، فلما هبطوا إلى الحديبية إذا امرأة معها ابنها على القليب فسعى ابنها هارباً فلمّا أثبتت أنّه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله صرخت به هؤلاء الصابئون ليس عليك منهم بأس فآتاها رسولاللَّه صلى الله عليه وآله فامرها فاستقت دلواً من ماء فاخذه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فشرب وغسل وجهه فأخذت فضلته فاعادته في البئر فلم تبرح حتى الساعة . « 1 » وخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأرسل اليه المشركون أبان بن سعيد في الخيل « 2 » فكان بإزائه ، ثم ارسلوا الحُليس « 3 » فراي البُدْنَ وهي تأكل بعضها أوْ بارَ بعضٍ « 4 » فرجع ولم يأت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقال لأبي سفيان : يا أبا سفيان أما واللَّه ما على هذا حالفناكم على أن تردوا الهَدْىَ عن محله . « 5 »
فقال : اسكت فإنما أنت اعرابي ، فقال : اما واللَّه لتخلين عن محمد وما أراد أو لا نفردن في الا حابيش . « 6 »
فقال : اسكت حتى نأخذ من محمد ولثا . « 7 »
هامش
( 1 ) . أي لم يزل الماء من تلك البئر ، وقد نقل هذا الاعجاز في روايات كثيرة على وجه آخر . ( آت ) أقول : طبع القضية علىفرض نجاسة أهل الشرك شرعاً ، ابعاد المرأة المشركة من فم البئر وأمر بعض الصحابة بنزح الماء واستعماله طاهراً . وحيث أنّه وظّفها لنزح الماء وملاقاة يدها بظهر الدلو والحبل واحتمال تقطر القطرات من محل ملاقاة الحبل داخل الدلو واحتمال وصول يد النبي صلى الله عليه وآله بمحل وصول يدها النجسة ، فهذا يدل دلالة ما على طهارة أهل الشرك . وقد تقدم هذا البحث أيضا .
( 2 ) . ذكر أكثر المؤرخون مكانه بديل بن ورقاء الخزاغى ولا عبرة بقولهم في مقابلة الخبر المعتبر . ( آت )
( 3 ) . هو حليس بن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الا حابيش وهو أحد بني الحارث بن عبد المناة بن كنانة .
( 4 ) . كناية عن كثرتها وازدحامها واجتماعها وإنّما قدّم صلى الله عليه وآله البدن ليعلموا انه لا يريد القتال بل يريد النسك . ( آت )
( 5 ) . « حالفناكم » اي عاهدناكم وحلفنا على الوفاء به . وقوله : « على أن تردوا الهدى » بدل أو عطف بيان لقوله : « على هذا حالفناكم » . ( آت )
( 6 ) . في القاموس حبشي بالضم : جبل بأسفل مكة ومنه أحابيش قريش لأنّهم تحالفوا باللَّه إنّهم ليد على غيرهم ما سجى ليل ووضح نهار ومارسي حبشي انتهي . اي اعتزل معهم عنكم وامنعهم عن معاونتكم . ( آت )
( 7 ) . الولث : العهد بين القوم يقع من غير قصدأ ويكون غير مؤكد ( الصحاح ) . وفي بعض النسخ ( وليّا ) .