واعلم أنّه لاشكّ في مذهب الإمامية بأنّ اللَّه عالم بجميع الأشياء والحوادث أزلًا ، وأنّ علمه هذا لا يوجب جبره وجبر العباد في أفعالهم الاختيارية .
ثم إن اللَّه يعلم كيفية وجود الأشياء وشروطه وموانعه ، فيعلم مثلا ان زيد ان لم يرتكب كذا وكذا يبلغ عمره خمسين سنة مثلا وان ارتكبه لا يتجاوز عن الثلاثين مثلا وهذا نحو من العلم ، وله علم آخر نسميه بالعلم المخزون المحتوم وهو علمه بان زيدا في الدنيا يفعل ما يوجب ان يبلغ عمره كذا لا أكثر ولا أقّل منه ، والروايات تنفي البداء في القسم الأخير وهو مقطوع فان البداء فيه مستلزم للجهل ، بل بعض الروايات تدل على أن البداء ينشاء منه لا أنه يقع فيه ، فيكون البداء في النحو الأول من العلم سواء لم يصل إلى مخلوقه أو وصل مشروطاً وغير محتوم ، وأمّا إذا وصل إليهم محتوماً فان اللَّه لا يكذب نفسه ورسله وملائكته كما مر في الرواية .
فإذا اطلع نبي أو ولي باخبار من اللَّه أو نظر في اللوح مثلا على وقوع أمر مستند إلى شروط فلم يلتفت إلى امكان وقوعه بوجه آخر حسب شروط أخرى ثم وقع على غير الوجه الذي اعتقده النبي يقال بدا للَّه ، فالبداء المنسوب إلى اللَّه تعالى حقيقةً ، إبداء ما خفي على عباده وهذا ليس فيه أيّ محذور فليكن مقبولًا مقطوعاً مسلماً بين جميع المسلمين ( لعن اللَّه العصبية الحمقاء ) .
لا يقال هذا بحسب مقام الثبوت فهل عليه دليل في مقام الاثبات ؟ فإنه يقال : يدل عليه قوله تعالى :
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
وقوله :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ »
وقوله
« ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ »
وقوله تعالى
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها » .
« 1 » فإن قلت : ماالسر في تأكيد الأئمة عليهم السلام على البداء في روايات كثيرة سبق منها ما اعتبر سندا في هذا الباب ؟ قلت : لو تخيّل ان اللَّه سبحانه قد فرغ من الأمر وانه قدر كل شيء أزلا وقضي به قضاء محتوماً كما توهمّه اليهود لم يبق للدعاء والتضرع والتوسّل إلى اللَّه مجال
هامش
( 1 ) . البداء يجري في التكوين والتشريع واختصاصه بالأول كاختصاص النسخ بالثاني اصطلاح حادث من العلماء .